موسيقى الأفلام الوثائقية[1]

عبد العزيز ابن عبد الجليل

من بين ما سبق لي أن دونته في إحدى مذكراتي لسنوات العقد السادس من القرن السابق العرض الذي ألقاه المؤلف والباحث الموسيقي الفرنسي إيفَ بودريه Yves Baudrier في إطار الفعاليات الفنية والثقافية للملتقى الثالث للمجموعات الصوتية بمدينة فَيزون لا رو مين Vaison- La - Romaine بفرنسا. وقد كنت يومئذ ضمن وفد مشكل في غالبيته من طلبة المعاهد الموسيقية أعدته مصلحة الشباب بوزارة الشبيبة والرياضة.

وبودريه هذا من مواليد مدينة باريس سنة 1906، وهو ناقد موسيقي وخبير في شؤون التربية الموسيقية، عمل إلى جانب أوليفييه مِسيان Olivier Messiaen على تأسيس "مجموعة فرنسا الفتية" Jeune France عام 1936، وإلى جانبهما آندري جوليفَي  André Jolivet وجان إيف دانيال لوسور J. Y. Daniel-Lesur، وله مؤلفات موسيقية جلها معزوفات آلية، من بينها: رباعي وتري (1946)، والسمفونية الأولى (1945).  وقد اشتغل بدءا من 1945 أستاذا بالمعهد العالي للدراسات السينماتوغرافية لمدى عقدين من الزمن وضع خلالهما موسيقى مجموعة من الأفلام السينمائية والوثائقية، من بينها: "الرجل العائد من بعيد" لجان كاسطانيي Jean Castanier. (1950)، و"قصر من زجاج" لرنيه كليمون René Clément (1950)، و"الليل مملكتي" لجورج لاكومب  Georges Lacombe (1950)، و"عالم الصمت" لـ جاك إيفَ كوسطو J. Yves Costau (1956)؛  تتميز موسيقاه بوضوح التعبير، وتأتي في أسلوب غنائي غني التصورات، شكلت منطقة "بروطاني" مصدر استلهامه بحكم إقامته الطويلة بها.

تطرق بودريه في محاضرته لموضوع موسيقى الأفلام، فتحدث عن تجربته الشخصية وما أفضت إليه من خلاصات ونتائج، كما استعرض نماذج متعددة من الأفلام الوثائقية التي وظفت فيها الموسيقى كعنصر داعم للعمل الفني ومساعد على تقريب مضامينه. وقد أقر في البدء بصعوبة الجمع بين الإنتاج السينمائي والإبداع الموسيقي في عمل يروم لفت اهتمام المشاهد إلى الموسيقى كأثر صوتي مسموع وبين السينما كمَشاهد مرئية ما لم يتسلح المنتج والمؤلف الموسيقي كلاهما بالخبرة والذكاء.

ويضيف بودريه قائلا: إن أعظم ما يهدد الإنتاج السينمائي اليوم ويفقده القدرة على الاستمرار سيره الحثيث في ركاب النشاط التجاري، وذلك على حساب إهمال الدور الذي يمكن أن تلعبه الموسيقى؛ وعلى الرغم مما عرفه الفن السينمائي من تطور في مجال الإخراج والتصوير، فقد ظلت الأشرطة الوثائقية عاجزة عن أن تنال رضى المشاهدين بسبب خلوها من عنصر الموسيقى الذي يضفي عليها سمات التسلية ويرفع عنها الإحساس بالجفاف.

ويؤكد المحاضر أنه من المتعين أن يكون "تهذيب الروح" في مقدمة ما نتوخاه من ارتياد دور السينما، وأن نجد فيها ما يعكس حياة الناس ويساعدنا على معرفة نفوسنا؛ ومن ثم وجب أن يتضافر الفنانِ معا من أجل تحقيق هذه الغاية: فن السينما بما يمنحه من وسائل لتشخيص الواقع، وفن الموسيقى بما يوفره انسياب ألحانها من عوامل الاندماج في الشريط السينمائي.

والمحاضر يعتقد ـ وهو الناقد المتمكن ـ أن الموسيقى ترتبط بالفكر بقدر ما تحرك الأحاسيس، ومن هنا فهو يرى أن أي موسيقى تسعى لمحاكاة خطوات الفرس في جريه أو القطار في سيره إنما هي خِداع تتوسل به من أجل إثارة إعجاب المشاهد. ويمثل المحاضر لذلك بنموذج ذائع الشهرة هو موسيقى فيلم " القطار رقم 132 " للمؤلف الموسيقي الفرنسي آرثور هونيكَير. Pacific 132 d’Arthur Honegger (1955ـ1892) فقد جاءت الموسيقى في هذا الفيلم لتشخص سائر مراحل رحلة القطار منذ أن أخذ يستعد لمغادرة المحطة.

وإنصافا لهونيكَير يأبى المحاضر إلا أن يذكر ما كان هذا يتوخاه فيقول: لم يكن هونيكَير يقصد محاكاة أصوات القطار، وإنما كان غرضه ـ على حد قوله بنفسه ـ أن يرسم " تنفس القاطرة الهادئ في حالة وقوفها، ثم جهدها وهي تتأهب للسير وتضاعف من سرعتها، وهذه حالات متجددة، نلاحظ تواليها، وفيها تعبير بواسطة الألحان عن "المشاعر التي تتجدد ـ هي أيضا ـ في تدفق مطرد". ولتأكيد الطابع الحركي في هذه المقطوعة الموسيقية فقد سجلها صاحبها في شريط خاص أسماه "حركات سمفونية"    Mouvements Symphoniques، وأردفها بمقطوعة أخرى بعنوان "Rugby"، اجتهد من خلال ألحانها في رسم معالم الغبطة  والقسوة التي تطبع هذه اللعبة الرياضية العنيفة.

ويتابع المحاضر عرضه فيقدم شريطا بعنوان "رصيف الضباب Quai de Brumes" من إنتاج Marcel Camé سنة 1938، ثم يصفه بأنه يندرج في صف الأفلام الوثائقية الناجحة بالرغم من تواضع إخراجه وخلوه من العقدة الدرامية؛ وتلعب الموسيقى التي وضعها مارسيل جوبير Marcel Jaubert عام 1957 دورا حيويا بمصاحبتها لأبرز محطات القصة التي يشاد عليها الشريط؛ فهي تحمل أصداء السيرك، وأصوات تلاطم الأمواج عند الشط، وتموجات الراديو التي تملأ الفضاء، مثلما تحمل نباح الكلب التائه كتيه بطل القصة، وأنات الحزن المنبعثة في لحظات احتضار البطل.

وقد تبدو التغطية الموسيقية أدنى تدفقا من تدفق أحداث الشريط ومشاهده، وهذا أمر لا ينقص ـ حتما ـ من قيمته إذا كانت أصوات الأشياء تملأ الفراغ كصوت المحرك أو الكلب أو الجرس أو الباب؛ فقد تكون هذه الأصوات أصدق تعبيرا من الألحان، مثلما قد يكون لصداها أثر أوقع في نفس المشاهد.

وتختلف موسيقى الأشرطة الوثائقية عن نظيرتها في الأفلام العادية، فهي ـ عند المحاضرـ أشد حاجة إلى الدقة في التصوير، والصدق في التعبير. وفي هذا الصدد فهو يقر بالصعوبات التي اعترضته عندما كان بصدد وضع موسيقى الفيلم الوثائقي "كاتدرائيات فرنسا "Les Cathédrales de France"، إذ كان عليه ـ من جهة ـ أن ينتقي فقرات من الموسيقى الكنسية التي ترجع إلى القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وأن يؤلف ـ من جهة أخرى ـ ألحانا جديدة تتلاءم مع الفقرات الموسيقية المنتقاة.

وهو ـ أيضا ـ يقر بإلحاحه المفرط على أن يضع لكل مشهد من مشاهد الشريط موسيقى مصاحبة، وبذلك جاءت الألحان الموسيقية متراصة متلاحقة كتلاحق المشاهد في الشريط، وهذا أمر يعتبره المحاضر عيبا لا تقل عنه زحمة الآلات الموسيقية التي وظفها في العزف (الباصون والكلارينيت والأوبوا والأرغن).

وقد ختم إيفَ بُودِرِيِه محاضرته بما يفيد أن أي موسيقى تصويرية لمشاهد الشريط لا يمكن أن تبلغ منتهى التعبير عنها، وأن أهم ما ينبغي أن يعنى به مؤلفو موسيقى الأفلام السعي بجد إلى التوفيق بين المشاهد والألحان، وليس عليهم بعد ذلك أن يعبأوا بما يقوله النقاد.

 


[1]  مذكراتي الخاصة.

Rate this item
(2 votes)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

link

 

ama

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل لاستخدام التكنولوجيا أثر في تطور الموسيقى العربية؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM