الخمسة الكبار: عباقرة الموسيقى الروسية – 1

عبد العزيز ابن عبد الجليل 

 

الخمسة الكبار: عباقرة الموسيقى الروسية – 1 (بتصرف)[1]

استطاعت الموسيقى الروسية أن تكتسب معناها الوطني في منتصف القرن التاسع عشر لتتجاوز بشكل مفاجئ نطاق السهوب الثلجية الفسيحة؛ فحتى ذلك الحين، كان الهوس الإيطالي مسيطرا إلى أقصى درجات الهيمنة عبثا وسخفا. لكن، بعد انصرام عهد الأسلاف الكبار (غلينكا Glinka ودارغوميجسكي Dargomijsky) بقليل انبعث جيل من المؤلفين الموسيقيين قرروا بصوفية وواقعية وثيقتين شقتا الطريق لانبثاق عبقرية روسية قادرة على أن تعبر عن نفسها بحرية، وعلى أن تصنع في مجال الموسيقى ما صنعه بُّوشكين Pouchkine وغوكغول Gogol وتورغينييفَ Tourgueniev وتولستوي Tolstoï في مجال الأدب. هؤلاء المؤلفون من رواد الموسيقى الروسية هم من سيطلق عليهم لقب "مجموعة الخمسة الكبار"، هذه المجموعة الصغيرة العظيمة التي سبق لـ "بول لوفليم" Paul Le Flem أن قدمها لقراء المجلة بكفاءة تعفيني من العودة إليها.

إلى جانب هؤلاء الخمسة الكبار الذين يمكننا في الواقع تقليص عددهم إلى أربعة هم: بالاكيريفَ Balakirev – بورودين Borodine - ريمسكي كورساكوفَ Rimsky - Korsakov  - موسورسكي Moussorgsky، ارتأينا أن نضع تشايكوفَسكي Tchaïkovski  كتجسيد حي لأسلوب مختلف تماما في مرحلة غنية بالتناقضات، وذلك بديلا عن سيزار كوي César Cui الذي لم يستطع أن يسترعي انتباه ناشري ألأسطوانات بسبب ندرة مؤلفاته وصغرها.  وعلى بقايا وأنقاض آلية سخيفة يتخذ التاريخ الروسي هو أيضا مسارا جديدا ويقترب من نقطة تحول حاسمة.

وقد سبق هؤلاء إلى الساحة الفنية ميكائيل غلينكا  Mikhaïl Ivanovitch Glinka الذي يعتبر أب الموسيقى الروسية ومؤسس المدرسة الموسيقية القومية الحديثة؛ فقد رحل إلى إيطاليا حيث تأثر بالغنائية الإيطالية التي طبعت أعماله الأوبرالية، ومنها انتقل إلى ألمانيا حيث درس النظريات الموسيقية، ولم يكد يودع الحياة حتى ترك وراءه ما ينبئ بمستقبل الموسيقى الروسية مع مجموعة الخمسة الكبار.

 

بالاكيريفَ

من مواليد سنة 1836؛ تحدث عنه كورساكوفَ في مذكراته "حياتي الموسيقية" فوصفه بالعبقري "الذي تبدو عليه أمارات النبوغ بوضوح، يتقن العزف على البيانو لدرجة المهارة، ويجيد الارتجال، ويعرف كل شيء عن الهارموني ويوظفها في مؤلفاته مع أنه لم يتعمق في دراستها".

ولقد مثل بلاكيريف Balakirev حالة مثيرة للفضول بل والاستغراب. كما أنه شكل استثناء من بين رفقائه الأربعة، وهو استثناء تمثل في كونه الوحيد من بينهم الذي نال حظا من الثقافة الموسيقية، فقد كان الأربعة الباقون لا يتجاوزون الهواية الموسيقية، غير أنها هواية وثابة سرعان ما شحنت نفوسهم رغبة في التعلم، فكانوا يتحلقون حول بالاكيريفَ، يتتلمذون على يديه وينهلون من معارفه في انتظام دؤوب، تارة يتحدثون عن الموسيقى، وتارة يعزفون على الآلات، حتى إذا استأنسوا من أنفسهم القدرة على التأليف عرضوا عليه ما يؤلفون، ثم ما هي إلا فترة  حتى أدرك هؤلاء الهواة ما أهلهم ليضعوا أساس الموسيقى في روسيا وأساسها القومي في العالم.

اشتهر بالاكيريفَ خصوصا بمعزوفته "إسلامي" Islamey، هاته الفنتازيا الساحرة بجمالها التي وجد فيها عازفو البيانو الوسيلة السهلة للتألق في الأداء والتي كان فرانز ليست Franz Liszt نفسه شديد الإعجاب بها لدرجة أنه كان يوصي طلابه بعزفها.

لكن، من يعرف الآن افتتاحية الملك لير Le Roi Lear، ومن يعرف سنفونيتيه: الأولى والثانية، "روسيا" وكذا أغانيه الرائعة التي يتجاهلها مغنونا؟ نحن لا نريد أن نلقي اللائمة على معاصرينا من الموسيقيين طالما أن هذا العزوف ليس وليد البارحة، فحتى قبيل وفاة المؤلف بوقت قصير لم يكن من الممكن تنظيم عرض موسيقي خاص بأعماله بسبب قلة عدد الحاضرين، ومع ذلك، فإنه نال من غلينكا Glinka، الأستاذ المبجل، أسمى شهادات التقدير والإعجاب، شهادات تكفي لجعله الرائد الجديد والشرعي للموسيقى الروسية. لقد كان لشخصيته القوية الأثر الحاسم على مجموعة الخمسة ونجاحها في الساحة الفنية بفضل ديناميكيته ونشاطه النادرين، وإن كان يلام ربما بسبب أحكامه المتسلطة.

لقد كان بالاكيريف وما يزال ذلك الرسام الاستثنائي الذي يأخذ بالألباب لروعة البعد التشكيلي في موسيقاه وسحر ألوانها وأنغامها. وبحسب بول لوفليم فإن "اللون يجتذبه أكثر مما تجتذبه الفكرة التي يبوح بها"، ولنا في قصيدته السمفونية "ثمارا" Thamar التي ألفها سنة 1882 البرهان القاطع على ذلك.

تنطوي هذه القصيدة على قصة شيطانية ورومنسية إلى أقصى حد، يملأ فضاءها الدم والشهوانية والموت. "ثمارا" شقيقة "لا لوروليي"[2] برُقْيَتِها السحرية المؤذية، تملك وجه ملاك، ولكنها تحتضن بين ضلوعها قلب شيطان؛ وهي تقطن برجا عاليا بالقوقاز، وتستميل بصوتها الفاتن المسافرين في ظلمة الليل من ذوي القلوب الملتهبة حبا، ثم تقتلهم لتلقي بجثتهم في لجة النهر.

ولنا هنا أن نتخيل جنون العربدة الشرقية بفورتها وسكرها الساحر وأحلامها الرهيبة والمشعة، وما يكتنفها من ألغاز الحب والموت. حتى إذا لاح الصباح تكشف عن جثة أخرى يحملها السيل من جديد، بينما ترفع "ثمارا" صوتها من فوق أعلى البرج السابح في لجة الضباب وهي تشيع ضحيتها بأنشودة الوداع الأخيرة. 

إنها أنشودة على قدر كبير من الجلال، لماعة، بهية الألوان، تحمل كل أسرار الإغراء، عنيفة ومثيرة إلى حد لا يتصور. وهي في النهاية تحملنا على أن نتساءل: من هو في في الحقيقة الساحر الحقيقي؛ هل هو المؤلف الموسيقي؟ أم هو قائد الأوركسترا؟ أم هو مهندس الصوت الذي نجح في الحفاظ على نضارة الآلات الموسيقية وصفائها؟ مهما يكن، فإن هذه القصيدة وليمة، لا تخلو بحق من الوحشية المرهفة، ولكنها وليمة ملكية.

 

02bb.png

 


[1]Paul  Le Flem. - Revue MUSICA, n27, Juin 1956, imp. CHAIX (seine), pp 16 – 17.

[2] لالوروليي La Lorelei: شخصية من أشهر شخصيات الأساطير في التقاليد الألمانية، بطلتها حورية حسناء تقف على رأس صخرة تطل على نهر الراين، وهي تردد أغنيتها فتأسر بألحانها البحارة. وقد ألهمت هذه الأسطورة العديد من الشعراء والموسيقيين.

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل ينتقص استخدام تقنيات أداء الموسيقى الغربية في الموسيقى العربية من هوية هذه الأخيرة؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM