بدايات رحلة عازف الجاز راندي ويستن إلى إفريقيا واستقراره بالمغرب

ترجمة: الحبيب الواعي

بدايات رحلة عازف الجاز راندي ويستن إلى إفريقيا واستقراره بالمغرب[1]

"يا بني، لا تنس أبداً من تكون. أنت إفريقي. أنت إفريقي بالرغم من أنك ولدت هنا في الولايات المتحدة الأمريكية. إفريقي ولد في أمريكا، هل فهمت؟ بلدك الأم، موطن أجدادك، هو أفريقيا. أينما توجهت سفنك في هذا الكوكب فيجب العودة إليها دائمًا. إفريقيا هي الماضي والحاضر والمستقبل. إفريقيا هي النقاط الأساسية: الشمال والجنوب، حيث تشرق الشمس وحيث تغرب."  

  • فرانك إدوارد ويستن كما نقلها إلى ابنه راندي ويستن

خلال منتصف أواخر الستينيات، عندما بدأت أفكر بجدية في العيش في إفريقيا، وعندما أخذت بعين الاعتبار رحلتيّ السابقتين إلى هناك فإن نيجيريا بطبيعة الحال كانت خياري الأول. كانت بلداً ناطقاً باللغة الإنجليزية واعتقدت أنه لن أواجه أي عائق في التواصل فمعظم المتعلمين في نيجيريا يتحدثون الإنجليزية،

وكنت قد تعرفت على الجميع بدءا بالحاكم العام إلى مختلف النيجيريين المشتغلين في التلفزيون والإذاعة والنحاتين والرسامين وفنانين آخرين مختلفين. بدت نيجيريا البلد الإفريقي الأكثر جاذبية بالنسبة لي لأهاجر إليه.

كانت هناك أيضًا إمكانات أخرى في القارة. في تلك الفترة، وإلى حد كبير بسبب حركة الاستقلال الناجحة هناك عام 1959 وهيبة كوامي نكروما كانت غانا آنذاك أكثر الدول الأفريقية شهرة في نيويورك. ربطت الصلة بالعديد من الأصدقاء الغانيين في ذلك الوقت غير أن نيجيريا كانت لا تزال تمثل الاحتمال الأشد وضوحا بالنسبة لي حيث كانت لي تجارب إيجابية هناك، بما في ذلك صداقات مع موسيقيين نيجيريين مثل فيلا كوتي وبوبي بنسون الذي كان يملك ملهى كابان بامبو في لاغوس. كنت قد سجلت لحن بوبي "مامبو النيجر" ولذلك كانت هناك أسباب كثيرة جعلت نيجيريا وجهتي التي لا شك فيها. لقد أبهرني النيجيريون حقًا بافتخارهم بثقافتهم وكنت معجبًا جدًا بالفن هناك. نيجيريا بلد رائع حقاً والمناخ رائع أيضاً إلا أن حرب بيافرا المستعرة في ذلك الوقت كانت رادعًا حقيقيًا لي حال دون انتقالي إلى نيجيريا.

بالإضافة إلى اعجابي المستمر بأفريقيا والنابع أولاً من تعاليم والدي، كانت هناك بعض العوامل السلبية المتعلقة بالمشهد الموسيقي في الولايات المتحدة في ذلك الوقت والتي زادت من رغبتي في الانتقال إلى القارة الإفريقية.

عندما تمت استضافة فرقة البيتلز في برنامج إد سوليفان، ورأيت رد الفعل الهستيري اتجاه موسيقاهم ورأيت الجميع ينجذب إلى تلك الموسيقى قلت لنفسي: "يا رجل، الموسيقى السوداء في أمريكا في ورطة الآن." وفي الوقت نفسه، كان مشهد موسيقى الجاز في منتصف أواخر الستينيات - على الأقل فيما يتعلق بالصحافة والنقد - مخترق بشدة، ما أطلق عليه الجاز الحر أو الجاز الطليعي.

ماذا يعني الجاز الحر بالضبط؟ بالنسبة لي موسيقى الجاز الأشد حرية والتي سمعتها في حياتي كانت موسيقى لويس أرمسترونغ. لم أسمع أحداً يعزف بحرية أكثر منه. يمكن أن يعني مفهوم الحرية ذاته أشياء معقدة، وأنواعا مختلفة من الأشياء، ولا يمثل ذلك أي إشكال لي ولكن عندما يتعلق الأمر بالحرية في علاقتها بموسيقى الجاز فلا يجب أبداً فقد ارتباطنا بأسلافنا لأن كل نغمة، كل تلك الموسيقى التي كنا نعزفها حتى تلك اللحظة كانت في الحقيقة من أجل الحرية لأننا كنا مضطهدين بشدة، نفسيا وجسديا، بسبب العبودية والعنصرية. لذا كان عليّ أن أسأل نفسي: "ما الذي يتحدثون عنه عندما يتحدثون عن موسيقى الجاز'الحر'؟ كان الأمر يشبه ابتكارهم لما أطلقوا عليه موسيقى الجاز الهادئة عندما ظهر مايلز دايفس مع جيري موليغان وألبوم "ميلاد الجاز الهادئ".  وفجأة كان الجميع يقول "كن هادئا عندما تعزف، لا تتصبب عرقا عندما تعزف... كن مثل الأوروبيين في جوهرك. ولكننا نتصبب عرقا مع بعضنا البعض... لذلك لم ينجح ذلك مع الموسيقيين السود بشكل عام."

بعد بروز فرقة البيتلز، انتشر أيضًا نوع من النشوة النقدية اتجاه ما كان يسمى الجاز الحر أو الجاز الطليعي - والذي لم يثرني على الإطلاق عندما سمعته، وبدا لي أنه يتعارض مع موسيقى السود -بالإضافة إلى أشياء أخرى مزعجة كنت ألاحظها. لقد انصرفت حقًا عن المشهد الموسيقي في الولايات المتحدة وبدأت أتجه أكثر فأكثر نحو إفريقيا والوجود الإفريقي. في إحدى الليالي، شاهدت تباعا فرقة ماكس روتش وفرقة ديف بروبيك الرباعية في أحد ملاهي نيويورك، وهالني كيف بدا أن الجمهور تجاهل تمامًا إتقان ماكس للموسيقى وأقبل على ما يسمى بصوت بروبيك الهادئ. لقد أصبت بالدهشة جراء انجراف الجمهور نحو فقدان تذوقه للثقافة السوداء، فهو لم يعد يستسيغ ما يجعل موسيقانا فريدة ومختلفة عن أنواع الموسيقى الأخرى. كنت أريد حقًا أن أتشبث بنفس التقليد ولكن بدا الأمر وأننا نبتعد عن ذلك في الولايات المتحدة.

لم يؤلف أحد موسيقى تفوق في روعتها موسيقى ديوك إلينغتون، ومهما كان ما عزفه أو كتبه ديوك فأنت تسمع دائماً موسيقى البلوز في الباطن. في الآن نفسه، ألف ديوك مقطوعات موسيقية لأذن ملكة إنجلترا وإمبراطور الصين لكنك تسمع دائماً موسيقى البلوز في الأعماق. بالنسبة لي، هذا ما يشكل جوهرنا، وهذا ما يجعل موسيقانا فريدة من نوعها.  ولكي تكون مواكبا للحداثة ليس عليك أن تعزف بحرية أو تعزف الكثير من النغمات. لقد أثبت أساتذتنا ذلك، لنأخذ العبرة من الكونت بايزي أو تيلونيوس مونك. يبدو أن الموسيقى التي كنت أسمعها في تلك الفترة كانت تبتعد عن تقاليدنا الأساسية. عندما نعزف للناس من المفترض أن يكون عزفنا عملية شفاء روحي. يمكن أن يتحقق ذلك الشفاء الروحي بعزف بن ويبستر لأغنية "الجسد والروح" أو بعزف كليفورد براون لمقطوعة "أتذكر أبريل".

 

902.png

موسيقانا يتخللها نوع من الرومانسية والعشق، إحساس مميز رغم الشدائد والمحن. عندما تستمع لجون كولترين مع ديوك إلينغتون وهما يعزفان "كتابي البني الصغير"، تلاحظ أن هناك إحساسا رومانسيا معينا، وهذا ما لم أعد أسمعه في الموسيقى الحالية. لقد تعلمنا أنه لكي تعزف الجاز عليك أن تكون قادراً على عزف موسيقى البلوز، وأن تكون قادراً على أن تعزف للمرأة، أن تغازلها برومانسية. أحسست أن الموسيقى في الستينيات أصبحت أشبه بالآلات إلى جانب الأجهزة الإلكترونية والأدوات الأخرى. إذا لم تكن تمتلك صوتا جميلا فلن تبلغ الجمهور. كان الطابع الغربي يطغى على الموسيقى أكثر فأكثر، وبدأت الموسيقى في نظري تبتعد أكثر فأكثر عما يسمى بتقاليد الإنسان الأسود، عن إحساس الإنسان الأسود. لذا كانت هذه بعض العوامل التي حسمت في قراري في الهجرة إلى إفريقيا، ومن الغريب أن ذلك حدث في نفس الوقت ولنفس الأسباب التي جعلت بعض أصدقائي يحزمون أمتعتهم ويرحلون إلى أوروبا. ومن المفارقات أن الوجهة التي شددّتُ الرحال إليها لم تكن غرب أفريقيا المألوف، بل شمال أفريقيا.

بعد انصرام شهر واحد على عودتنا من المغرب الذي كان إحدى محطات جولتنا الموسيقية لعام 1964، تلقيت رسالة من مكتب الولايات المتحدة الأمريكية في المغرب تقول إن الشعب المغربي معجب غاية الإعجاب بموسيقاكم ويتطلعون إلى عودتكم. كانت حفلتنا الأخيرة خلال تلك الجولة الموسيقية لعام 1964 في المغرب بعد ثلاثة أشهر قضيناها في إفريقيا. أثناء الحفل عزف إد بلاكويل إحدى تلك المعزوفات الكلاسيكية الفريدة على الطبول والتي أبهجت الشعب المغربي. عندما عدت إلى نيويورك بعد الجولة وجدت أن الشعب المغربي كان يكتب لي رسائل بعثها لي مكتب الانباء الأمريكية في الرباط، رسائل يخبرونني فيها بأنهم لم يكفوا عن الحديث عن حفلنا ويتطلعون إلى عودتي. وكما اكتشفت فيما بعد، فالمغرب هو الذي اختارني، ولم أختره.

 

903.png

السلك الدبلوماسي للولايات المتحدة الأمريكية

11 مايو 1967

الرباط، المغرب

عزيزي رندي،

لقد مرّ ما يقرب من شهر منذ أن غادرت المغرب، وما زالت الجماهير تهتف.

...كما تعلم، بثت إذاعة راديو المغرب حفل مسرح أكدال... مرة واحدة. الجماهير غاضبة! لقد تلقى منسق الأغاني حوالي مائة مكالمة هاتفية ورسالة يطلب فيها الجمهور إعادة بث الشريط مرة أخرى، بما في ذلك رسالة من مراكش هدد فيها مستمع شاب منسق الأغاني حرفياً إذا رفض أن يعيد بث "هذه اللحظة العظيمة في تاريخ الجاز المغربي". قررت الإذاعة إعادة عرض الشريط مرة أخرى.

لكن ما تجاوز هول كل ذلك هو أن مكتبنا حوصر بمطالب العودة إلى المغرب في 22 يونيو للمشاركة في "مهرجان الجاز لعام 1967" المزمع تنظيمه في حدائق السفارة الأمريكية بالرباط تحت اشراف مكتب السلك الدبلوماسي للولايات المتحدة الأمريكية.

عندما كنتَ هنا في المغرب ذكرتَ أنك ربما تذهب إلى بيروت هذا الصيف لالتزام شخصي، كما اقترحت أيضاً أنك قد تتوقف في المغرب في طريقك إلى بيروت.

هل تستطيع أن تشارك في مهرجان الجاز هنا في 22 يونيو؟ ستكون بالفعل محط الأنظار وسترضي 2500 معجب متحمس للغاية.

مرة أخرى، سيكون صوت ويستن الموسيقي في حدائق السفارة حدثا عظيما. نتطلع إلى رؤيتك مرة أخرى، وننتظر ردك في أقرب وقت.

مع أطيب التحيات،

تشارلز ل. بيل

السفارة الأمريكية

قادني شيء إلى شيء آخر وبحلول عام 1967 كنت مستعدًا للقيام بهذه الخطوة. حينها كنت أعيش في شقة تقع في الشارع الثالث عشر والتي حصلت عليها من رامونا لو وأديل غلاسكو، صديقا لانغستن هيوز. تمكنت من نقل عقد إيجار تلك الشقة إلى اسم بوكر إرفين وعائلته وتركت كل شيء في تلك الشقة على حاله، البيانو وكل الأثاث، في حفظ وصون بوكر إرفين وعائلته. كانت أوراقي وكتبي وموسيقاي الأشياء الوحيدة التي أخذتها معي إلى المغرب إلى جانب ملابسي. ولأنني أردت أن يختبر كل من إبنتي باميلا وإبني نايلز الحياة في إفريقيا بشكل مباشر، فقد اصطحبتهما للعيش معي هناك بالرغم من أنني لم أكن أعرف شيئا عن الثقافة المغربية. لقد كانت الموجات والمزاج مناسبا تماماً وكان المغرب يدعوني إليه.

عندما وصلت إلى المغرب عام 1967 وجدت تقديرًا كبيرًا للموسيقى هناك مما دفع بي فورا إلى الانغماس في ثقافتهم. يتميز المغاربة بتنوع موسيقي خصب يمتد من جبال الأطلس إلى الصحراء الكبرى، ولذلك كنت دائمًا استكشف تقاليدهم. لاحظت أن بعض الناس يشعرون بأن الثقافة الغربية، أو أمركة الأشياء، هي الأسمى، وقد يعني ذلك أن يصبح مطعم ماكدونالدز أكثر أهمية من المطبخ التقليدي، من الطجين المغربي التقليدي (أو المرق المغربي) على سبيل المثال. ولأن الغرب قد هيمن على العالم فقد خلق أيضًا نوعًا من الاستعمار الموسيقي بطريقة ما؛ لا يكاد أي مكان تذهب إليه يخلو من موسيقى البوب الأمريكية. خلافا لذلك، حافظ المغاربة على تقاليدهم الموسيقية في تلك الفترة وهذا ما سحرني حقا وجعلني أعمق اهتمامي بها.

عندما وصلنا إلى المغرب أول مرة، بعد هبوطنا في الدار البيضاء، ذهبنا مباشرة إلى الرباط لكونها المدينة التي احتضنت ذلك الحفل الموسيقي الذي كان آخر محطة لجولتنا الموسيقية عام 67، وكانت أيضا المكان الذي بعثت منه تلك الرسائل العديدة عن طريق المكتب الدبلوماسي الامريكي، ولذلك كان طبيعيا أن تكون هي المحطة الأولى بالإضافة إلى كونها عاصمة المغرب. انتهى بنا المطاف بالبقاء في الرباط لمدة عام واحد ولولا عامل مهم للغاية يتعلق بأولادي فربما بقيت هناك. لا أريد أن أستبق الأحداث.

كان السفير الأمريكي في تلك الفترة أمريكياً يونانياً يُدعى هنري تاسكا وكان مقره في الرباط. كان معجبا بموسيقاي وكان هناك أيضًا أخ أسود يعمل نائبا في السفارة الأمريكية يدعى بيل باول. كان بيل يرغب في مساعدتي على الاستقرار في المغرب وإنشاء قاعدة للموسيقى الأفريقية هناك؛ وبناء قواعد أو مراكز ثقافية في أجزاء مختلفة من العالم الأفريقي يحج إليها الناس لدراسة الثقافة الافريقية ويفتخرون بها ويشجعون الشباب على مواصلة الاهتمام بها. كان ذلك هدفي الرئيسي من المجيء إلى المغرب ولذلك مكثنا في الرباط لأنه كان هناك أشخاص مستعدين لمساعدتي على إنجاز مشاريعي كما أنني لم تربطني صداقة بأي أحد في الدار البيضاء بالرغم من أنني التقيت بعض الأشخاص هناك. كانت الرباط بمثابة المركز ولم تكن كبيرة مثل الدار البيضاء لكنها كانت مدينة رائعة.

904.png

راندي ويستن وابنته في الرباط، المغرب عام 1968

سفارة الولايات المتحدة الأمريكية

18 يوليوز 1968

السيد راندي ويستن

فيلا رقم 3

طريق زعير، كيلومتر 3.800

الرباط

عزيزي راندي،

تابعت مسيرتك الفنية باهتمام وإعجاب كبيرين منذ أول حفل لك في المغرب عام 1967. أشعر بأن مساهمتك مساهمة أصيلة سواء في أبحاثك حول الموسيقى الشعبية الأفريقية أو في مؤلفاتك الموسيقية الأصلية المستوحاة من الموضوعات الأفريقية والمقتبسة من الإيقاعات الأفريقية. لقد سررت بشكل خاص بالاستقبال الحافل الذي حظيت به مقطوعاتك المستوحاة من موضوعات مغربية مثل مقطوعة "بلوز مراكش" هنا في المغرب.

أنا متأكد من أن الفائدة التي ستجنيها من بحثك حول الموسيقى الشعبية الأفريقية ستكون ذات أهمية كبيرة. وكما تدرك جيداً، يجب مساعدة الأفارقة على إعادة اكتشاف موسيقاهم. يجب تعليمهم تقدير موسيقاهم الشعبية كما تقدّرها أنت، وإدراك أن موسيقى أي حضارة أخرى لا يمكن أن تنافس الموسيقى الأفريقية في تعقدها ودقة إيقاعاتها. وفي الوقت نفسه، سيساعد بحثك الأمريكيين على فهم أعمق للدين الكبير الذي تدين به موسيقى الجاز والبلوز والموسيقى الروحية الأمريكية للموسيقى الإفريقية. ولا شك أن نتيجة عملك لن تؤدي إلا إلى التقريب بين القارتين الأفريقية والأمريكية.

أحس أنك تتميز بأهلية فريدة للقيام بهذا العمل الجليل. لقد أكسبتك موهبتك العظيمة كمؤلف موسيقي وكعازف بيانو بالإضافة إلى دفء شخصيتك أصدقاءً أينما حللت. لقد قدمت مساعدة كبيرة للبعثة الأمريكية في الرباط وآمل أن تواصل العمل في المغرب لسنوات عديدة قادمة.

مع أطيب المتمنيات الحارة،

مع خالص تحياتي

هنري ج. تاسكا

السفير الأمريكي في المغرب

التقيت برجل يدعى 'جاحسن' كان يمتلك مطعماً في الرباط اسمه "جور إ نوي" (أي الليل والنهار)، وكان يمتلك أيضاً فندقاً على الشاطئ. عندما أتيت إلى المغرب بعد أن طلبوا مني بإلحاح أن أعود عدت مع فرقة موسيقية ثلاثية، مع إد بلاكويل على الطبول، وبيل وود على الباص وأنا على البيانو. عزفنا في فندق ريكس وكان هذا الرجل 'جاحسن' مهتمًا جدًا بفكرة افتتاحنا لملهى.

إن إحدى الأشياء التي لاحظتها خلال رحلاتي في أفريقيا هي أن العديد من الموسيقيين البارزين هناك، مثل فيلا وبوبي بنسون في نيجيريا، كانوا يمتلكون نواديهم الشخصية وقد وفر لهم ذلك مقرا مستقلا وفرصة سانحة لتقديم موسيقى وموسيقيين يستسيغونهم. كنت متحمساً جداً لفكرة امتلاك ملهى ولم أكن أعي حينها مدى شدة المعاناة التي يمكن أن يسببها ذلك. ولكن اعتقدت حينها أنها ستكون فكرة رائعة لأنني أردت أن يكون لي مكان يمكنني أن أتقاسم فيه ثقافتنا، ومقاربتنا للموسيقى، وطريقتنا في التعامل مع الحياة. لهذا السبب بقيت في الرباط في ذلك العام وأمضيت أنا و”جاحسن“ حوالي عام في التفاوض بشأن صفقة النادي تلك، لكن في النهاية لم يحدث ذلك لأسباب عديدة.

أقمنا في فندق ريكس لثلاثة أشهر، ثم اضطررت إلى البحث عن منزل لأنني استطعت أن أستقدم ابنَيَّ بام ونايلز للعيش معي بعد حصولي على الطلاق والحضانة، أضف إلى ذلك أن إد بلاكويل وزوجته وأطفاله الثلاثة كانوا يسكنون معنا وكنا بحاجة إلى مكان أوسع. التقيت بسائق أحد وزراء الحكومة المغربية ورتب لنا استئجار منزل خارج الرباط. أقمنا كلنا في ذاك المنزل، باميلا ونايلز وبيل وود وإد بلاكويل وزوجته وثلاثة أطفال صغار، كلنا في منزل واحد. كان منزلًا مغربيًا كبيرا يأوي أسرتين وكان لكل واحد منا سريره.

إلى جانب التخطيط لافتتاح النادي، كنا قد رتبنا من خلال منظمة مغربية تدعى ضيافة DIAFA ووزير الثقافة للقيام بجولة مع الفرقة السداسية إلا أنهم لم يتمكنوا في نهاية المطاف من إحضار الفرقة السداسية، ولذلك ذهبنا إلى بعض الأماكن كفرقة ثلاثية. قدمنا عروضًا في الرباط والدار البيضاء وزاكورة ومراكش في جولة فنية في المغرب استغرقت حوالي ثلاثة أسابيع. أراد الأمريكيون أن يتصلوا بالأماكن الأخرى التي قدمنا فيها عروضنا في إفريقيا كي نعود إليها لأننا حققنا نجاحاً كبيراً في تلك الجولة عام 1967، وأمريكا تحتاج دائماً إلى تلك الصورة الجيدة من خلال الفن والثقافة، لذلك كنا أحسن قدوة وكنا أمريكيين من أصول إفريقية ولم يكن أحد منا سكّيراً وكنا دائماً في الموعد المحدد. عزفنا هنا وهناك لكن لم نقم بإحياء أي حفلات رئيسية وهكذا تلاشت فكرة الجولة. وكما كانت عادة الموسيقيين فهناك خطط عديدة للحفلة الموالية غير أن تلك الحفلات الموالية كانت نادرة ومتباعدة من حيث الزمن. وبما أنني أردت أن أسجل أبنائي في المدرسة وعلمت أن أفضل مدرسة أمريكية في البلاد كانت في طنجة فقد انتقلنا إلى هناك بعد تلك السنة الأولى التي قضيناها في الرباط. لولا تلك المدرسة لما غادرت الرباط.

عندما نسترجع ذكريات الماضي، من الصعب أن نفهم كيف كنا نعيل أنفسنا في تلك السنة الأولى. لحسن الحظ كان الإيجار رخيصا جداً في تلك الفترة واحتياجاتنا الأساسية من الطعام والأشياء لم تكلف الكثير. وكما قلت، وصلت إلى المغرب بقليل من المال لأنني كنت مصمماً على العيش في إفريقيا، ولذلك كان لدي القليل لأستعين به.

تقع طنجة على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط قبالة إسبانيا وهي قريبة جداً من البرتغال ولذلك فهي مدينة عالمية حقيقية. التقيت بالكثير ممن يسمون بالمغتربين الذين كانوا يتسكعون في طنجة، أناس مثل الكتّاب ألن غينزبرغ وبول بولز وبْرَيان غايسين وغيرهم، والذين بدا أنهم جميعاً يبحثون عن شيء ما لا أعرف طبيعته. لكنهم جميعًا عاشوا في طنجة في تلك الفترة وهو ما جعلها أكثر من مدينة عالمية بالإضافة إلى أنهم بدوا مهتمين حقًا بوجود شخص مثلي قادم من الولايات المتحدة هناك، شخص يسمي نفسه عازف موسيقى الجاز.

عندما وصلنا أول مرة إلى طنجة أقمت في شقة تحتوي على أربع غرف تقريبًا، لذا كانت لنا غرفنا الخاصة، أنا والأطفال. في الرباط كانت امرأة مغربية تدعى خديجة تقوم بكل أعمال الطهي والتنظيف في منزلنا وتمكنت من إحضارها معنا إلى طنجة لفترة قصيرة. في نهاية المطاف تمكنا من استئجار منزل كبير على الشاطئ مباشرةً عن طريق رجل أمريكي لا بد أنه كان يبلغ من العمر حوالي 80 عاماً وكان يعيش في المغرب منذ فترة طويلة. كان مسكنا جميلاً يتوفر على ثلاث شرفات تطل على البحر الأبيض المتوسط. استأجرتُ شيخة جيلالية تدعى هيمو لتتكفل بالطهي وتعتني بالمنزل. جيلالة تشبه كناوة، وهي طائفة روحية مغربية أخرى إلا أنني لا أريد أن أستبق الأحداث. كانت هيمو قوية جدًا وطباخة بارعة. كانت تذهب كل صباح إلى السوق وتشتري ما يلزمها من الطعام الطازج لذاك اليوم. عشنا في ذلك المنزل لأكثر من عامين بدون هاتف.

905.png

في تلك الفترة كنت في علاقة مع امرأة فرنسية تدعى جينيفيف ماكميلان وكانت تملك بعض المال الذي حصلت عليه من استثماراتها وكانت مهتمة بالفن الأفريقي. تحدثنا كلانا مع ذاك الرجل العجوز واستأجرنا ذاك المنزل الرائع. تمتلك جينيفيف الآن احدى أكبر مجموعات للمقتنيات الفنية الأفريقية في كامبريدج، ماساتشوستس وتقوم بإعارة الأعمال للمتاحف في جميع أنحاء العالم. كانت علاقتنا جيدة لكنها في النهاية لم تنسجم مع أبنائي فاضطرت للرحيل. لقد منحتني إنذارًا نهائيًا قائلة: "إما أنا أو هم"، أو شيء من هذا القبيل، فقلت لها "وداعًا". انفصلنا وتركنا المنزل لها. انتهى بي الأمر أنا والأبناء بالانتقال إلى شقة صغيرة، ثم إلى شقة أخرى جميلة جدًا في شارع باريس. كانت شقةً حديثة جدًا وتتوفر على أربع غرف، فسيحة جدًا وتزورها أشعة الشمس طوال النهار.

كانت المدرسة الأمريكية هي الدافع الرئيسي لانتقالي إلى طنجة وليس بسبب أي وعود لإحياء حفلات هناك. لقد تمكنا من إحياء حفلتين موسيقيتين في طنجة وأحيينا حفلة في النادي الفرنسي "هوت كلاب" في مدينة مكناس كما عزفنا في فندقين. كان العديد من الأشخاص الذين التقيت بهم في طنجة من المهتمين بالفنون والثقافة، وكثر الحديث عن افتتاح نادٍ لموسيقى الجاز في المدينة، لكن بالنسبة لي كان من الصعب إيجاد بيانو جيد ناهيك عن الالتزام بتنفيذ مثل تلك الخطط. في السنة الأولى هناك لم أجنِ ما يكفي من المال.

شعرت وكأنني كنت في رحلة استكشافية لأنني لم أكن قادراً على العزف أكثر مما كنت أتوقع. في عام 1967 ربطتني علاقة صداقة مع رجل من المكتب الدبلوماسي الأمريكي USIS في طنجة، كاتب لطيف للغاية. حاولنا القيام بجولة في أفريقيا من خلال المكتب الدبلوماسي USIS لكن الأمر باء بالفشل في اللحظة الأخيرة. في ذلك الوقت كان المكتب يعي حقًا قيمة الثقافة وكان يرسل موسيقيين إلى أمريكا الجنوبية وأفريقيا وغيرها من الدول.

906.png

أينما حللت في هذا العالم فانا مهتم دائما بالتواصل مع الموسيقى والموسيقيين التقليديين أو على الأقل الاستماع لهم ولم يكن المغرب استثناءً. كانت أول فرقة من الفرق الروحية المغربية التي تواصلت معها فرقة "جيلالة"، والتي تعرفت عليها من خلال صديقي أبسالوم الذي كان مسؤولاً في الشرطة الحكومية في ذلك الوقت وكان يحب الموسيقى. التقيت به في حانة عن طريق امرأة من فيينا النمساوية. كان اسمها ترودي وكانت تملك ناديا تعزف وتغنى فيه موسيقى الفالس الفيينية. قال لي عندما التقى بي: "يا رجل، لديّ أسطوانتك "أوهورو أفريكا". لقد ادهشني ذلك! دعاني أبسالوم إلى منزله والتقيت بزوجته الرائعة خديجة التي كانت تجيد الطهي؛ هناك في منزله في طنجة تناولت أول عشاء مطهو في المنزل.

 

907.png

ومنذ تلك اللحظة أصبحنا أنا وأبسالوم شركاء، وأصبحت جزءا لا يتجزأ من أسرته. أبسالوم عرفني بدوره على فرقة جيلالة، هو ومغربي يدعى محمد زين. كان ذلك في الفترة نفسها التي حصلت فيها على ذلك البيت وقد عرّفاني على هيمو، المرأة الجيلالية التي استأجرتها للعناية بالبيت. كانت امرأة بربرية قوية من جبال الريف ولم تكن فاتنة على الإطلاق. كانت سبب زيارة موسيقيي جيلالة للمنزل بين الفينة والأخرى. الجيلالة طائفة صوفية؛ فهم يعتبرون آلاتهم الموسيقية بمثابة اتصال مباشر مع الله. تراهم يعزفون على تلك المزامير المنتفخة التي تسمى القصبة والبندير وكانت تلك طريقتهم في التواصل مع الخالق.

في الحقيقة ربطتني صلة بثلاثة تقاليد موسيقية مغربية روحية. كانت هناك فرقة” جهجوكة“، التي ارتبط بها اسم أورنيت كولمان فيما بعد وأعد أسطوانة موسيقية معها. كان الكاتب السويسري براين غايسين عنصرا مهما في دائرة الكتاب الأوروبيين والأمريكيين المستقرين في طنجة إلى جانب بول بولز وكان مهتمًا جدًا بالموسيقى ومن خلاله سمعت عن تلك القرية التي تقع في جبال الريف والتي تدعى جهجوكة. في تلك الفترة في عام 1967، كان كل من كنت على اتصال بهم على علم باهتمامي بالتواصل مع الموسيقيين التقليديين وكان ميل أوكونيل يضع سيارات حكومية رهن إشارتنا لتقلنا إلى قرى محددة لسماع الموسيقى، وهكذا ذهبنا إلى جهجوكة معًا.

كي تصل إلى جهجوكة يجب قيادة سيارتك إلى نقطة معينة حيث يبدأ الجبل في الارتفاع ولا يمكن للسيارات أن تتقدم، لذا إما أن تمتطي الحمير أو تمشي على الأقدام. جهجوكة قرية لا تتوفر على الكهرباء؛ إنها حقاً روح المغرب مع إطلالة جميلة على الجبال المحيطة بها. موسيقيو جهجوكة معالجون تقليديون يعزفون على آلة قصب مزدوجة تسمى الغيطة، وهي تشبه المزمار نوعاً ما، كما يعزفون على طبول محاطة بالإطارات تسمى البندير ويعبدون الإله بان، إله الناي. يتميزون باحتفالات خاصة يستعدون فيها لمدة ثلاثة أيام أو أكثر. يرتدي أحد أعضاء فرقتهم المتصوفة ملابس من جلد الماعز ويشعلون نيرانًا ضخمة ويعزفون إيقاعات جهجوكة الخاصة بهم. يدخل الناس حالة من النشوة ويقفزون فوق النار، ولديهم أيضًا غرفة خاصة يعالجون فيها الناس من أمراض مختلفة باستخدام تلك المياه الجبلية الباردة مصحوبة بأصوات فريدة يخرجونها من آلاتهم. لم أخض هذه التجربة من قبل لذا لا يمكنني أن أخبركم بما يحدث لكن موسيقيي الجهجوكة معروفون بقدرتهم على شفاء الأشخاص. لقد قضينا ثلاثة أيام رائعة مع موسيقيي جهجوكة واستمتعنا بالمراسم والموسيقى والرقص، وأكلنا البيض الطازج والطعام الطازج، وكان الطبخ رائعاً واستمتعت للغاية بوجودي مع موسيقيي جهجوكة غير أن أكثر الأشخاص المغاربة الروحانيين الذين ارتبطت بهم بعمق هم موسيقييو كناوة.

 

908.png

 


[1]  مقتطف من السيرة الذاتية لعازف الجاز راندي ويستن والتي تحمل عنوان إيقاعات إفريقية: السيرة الذاتية لراندي ويستن وقد أشرف ويلارد جينكينز على ترتيبها ونشرها في أكتوبر 2010. https://www.dukeupress.edu/african-rhythms

Rate this item
(1 Vote)
Last modified on الإثنين, 01 تموز/يوليو 2024 09:08
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تؤثر معرفة العازف بتاريخ الموسيقى العربية على أسلوب أدائه لبعض مقطوعاتها؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM