إعداد: عبد العزيز ابن عبد الجليل
بصدد العرض الأول لأوبرا "تانهويزر" لريشارد فَاغَنر(2)[*]
فَاغَنر يبحث عن مترجم
بينما استمرت النقاشات، مترنحة بين التوتر واللين بين ريتشارد فاغنر وألفونس دي رواييه، مدير الأكاديمية الملكية للموسيقى، كان مؤلفنا الموسيقي منشغلا إلى حد كبير بموضوع ترجمة نص أوبرا "تانهويزر". في البدء، أُسندت هذه المهمة إلى روجر، وهو مغنٍّ تينور في دار الأوبرا، لكن حادث صيد أجبره على التوقف عن هذه المهمة. هكذا كانت البداية سيئة، وزادها سوءا مدير المسرح حينما أخبر كارل باستحالة إنجاز العرض لارتفاع تكاليفه المالية، وهكذا أيضا تبخرت الثلاثة آلاف فرنك التي تبرعت بها السيدة الإنجليزية لتغطية النفقات، ولم يعد هناك أمل في الحصول على كرم نسائي جديد. أما فَاغنر فَلم تزده هذه العراقيل سوى الإصرار على تحقيق أمنيته في أقرب وقت طالما أن في ذلك السبيل الوحيد لتحقيق ما يطمح إليه من مجد وثروة.
على إثر ذلك عهدت مهمة الترجمة إلى "روش" الذي يشتغل ضابطا بالجمارك، وإذ تَبَيَّنَ أنه دون المستوى المطلوب فقد ضم إليه "ليندو" وهو مغن فَرَّ من الخدمة العسكرية بجند بروسيا، غير أنه سرعان ما تبين أنه لا يجيد فهم اللغة الألمانية ولا يحسن كتابة اللغة الفرنسية. وفي الأخير تم الوصول إلى رجلٌ أثبت جدارته في إنجاز هذه المهمة الدقيقة، هو المحامي تشارلز تروينه (Charles Truinet) الذي سيُخلَّد اسمه لاحقًا في "حوليات" فاغنر بتوقيع مُحرَّف: "شارل تويتر". ومع هذه الحظوة التي حصل عليها المحامي لدى فاغنر فسوف يواجه معه صعوبات بالغةً لسوء تصرفه وتقلب مزاجه.
اختيار فناني الأداء
هكذا، تمكن "رويير" و"فاغنر" من الانتقال إلى مرحلة الإنتاج. ومن ثم، توجه الاهتمام إلى مسألة اختيار المؤدين.
أسند دور "فَينوس" للسيدة "تيديسكو" ذات الجاذبية الفاتنة. وعلى الرغم من قوامها الممتلئ والذي يستحسن عدم التدقيق فيه من خلال عدسات المسرح، فسوف تتمكن من تجسيد "فَينوس" بشكل رائع، على الأقل عند الاستماع لغنائها. أما دور "إليزابيث"، فقد أُسند إلى "ماري ساكس" الرقيقة والهشة، فيما يبدو أن مغني الباريتون "موريللي" هو المؤدي المثالي لشخصية الفارس المغني "فولفرام فون إشنباخ".
ومنذ البداية، طُرح السؤال: من سيجسد شخصية تانهويزر؟ تبادر إلى الذهن فورًا اسم "نيمان"، التينور القوي الذي سبق أن حقق نجاحًات كبرى في أوبرا برلين بقامته الفارعة وصوته الرائع. وبالفعل، تم استدعاؤه. وعند وصوله إلى أوبرا باريس، وقف في الغرفة التي كان ينتظره فيها "رواييه" "وفاغنر" والشخصيات الرئيسية، ليقدّم نفسه مخاطبًا المدير: "حسنًا! هل تريدني؟ نعم أم لا؟" . شرحوا له - في البدء - أن اختيار المغنين في فرنسا، كما في ألمانيا، يتم عن طريق الاختبار. فأجاب: حسنًا، ليكن ذلك. وكتجربة أولية، انطلق "نيمان" يغنى المقطع الغنائي الشهير "رحلة إلى روما" من أوبرا تانهويزر على المسرح؛ وعلى الفور، انبهر "فاغنر" و"رواييه" بقوته الصوتية، وحركته على المسرح، وموهبته الفنية، فكان أن عيّنه روييه على الفور لمدة عام في أوبرا باريس، براتب غير مسبوق قدره 8000 فرنك شهريًا. وحصل "فاغنر" من المخرج على تعهد "نيمان" بألا يمثُل في أي أوبرا أخرى قبل أداء العرض الأول لأوبرا تانهويزر، وهكذا بدا أن كل شيء يسير على ما يرام، وإن يكن واضحا أن هذا الوضع لن يستمر طويلاً...
فواصل درامية قصيرة
في صباح أحد الأيام، أحس "ريتشارد فاغنر" بما يعانيه من ضائقة مالية شديدة بعد أن لم يعد يملك شيئًا! بينما كانت أوبرا "تانهويزر" لا تزال بعيدة عن الشهرة ... لكن العناية الإلهية، في أعمال "فاغنر" الدرامية، تظهر دائمًا في صورة أنثوية. ففي هذه المرة، علمت السيدة "كاليرجيس" بضائقة الملحن المالية، وتوسلت إليه أن يقبل منها عشرة آلاف فرنك، فلم يتردد "فاغنر" لحظة في قبولها.
من المؤكد أن الأمور تسير على ما يرام. بيد أنه من الواضح أن هذا التحسن لن يدوم.
وإليكم الآن مسلسل الأحداث الطارئة: فلتأمين افتتاح شارع جوزفين (شارع مارسو الحالي)، كان لزاما على المصالح البلدية لمدينة باريس أن تهدم الفندق الكائن في 16 شارع نيوتن، حيث كان يقيم فاغنر. غير أن ذلك أفضى إلى نشوء دعوى قضائية بين "فاغنر" ومالك العقار بشأن خطط الهدم؛ فقد طالب المالك بدفع الإيجار مقدمًا. وسعى فاغنر إلى مشورة محامين، وطلب تدخل رؤساء الدوائر، كما بحث عن مسكن آخر؛ وأخيرا وجد له صديقه الوفي الدكتور "غاسبيريني"، شقة في 3 شارع "أومال". فانتقل إليها، غير أنه - بسبب الإرهاق الناتج عن ضغائن الناس، ومتطلبات عمله المتواصل، والضيق من ضغوط محيطه - أُصيب بمرض تبين بعد أن شخص الدكتور غاسبيريني أعراضه أنه حمى التيفوئيد، مع احتمال التعرض لخطر تفاقمها.
كان من تداعيات هذه الوقائع أن تفضي حتمًا إلى توقف بروفَات أوبرا "تانهاويزر" فحدث أن استغل "برليوز" و "مييربير" هذا الوضع للتآمر على "فَاغنر" بتقديم بعض أعمالهما، الأمر الذي شكّل مؤامرة مكشوفة ضده، ومحاولة لـ"دفنه" وهو حي يرزق! لكن هؤلاء السادة فاتهم أن يدركوا أن "ريشارد" الذي لم يبلغ من العمر الخمسين كان يملك بنية "ساكسونية" متينة، إذ سرعان ما عاد للظهور في دار الأوبرا وهو أشد حرصا على ألا يُذكر غير اسمه، وألا تتحدث باريس إلا عن أوبرا "تانهاويزر" دون غيرها.
استئناف التمارين
وجدت إدارة الأوبرا نفسها مضطرة لاستئناف بروفَات أوبرا "تانهاويزر". أما بالنسبة للمغنين، فلا توجد مشاكل كثيرة. فقد بدأ "التينور نيمان" ينطق الفرنسية بشكل جيد، فيما لم تفقد مدام "تيديسكو" وزنها بعد؛ غير أن استعمال الحجاب والأقمشة الشفافة سيمكن المختصين من تحويلها إلى "فينوس" فاتنة، وسيكون أول ضحايا هذه "الإلهة" هو "نيمان" نفسه الذي سيهيم بها حبا بسبب أخذه مأخذ الجد لدوره في المسرحية، وهذا حدث سيكون له انعكاس إيجابي على سير البروفَات.
وبدورهما سيُرضي مصمم الديكور "ديسبليشان" ومدير المسرح "كورمون" "فاغنر" تمامً الرضى. كما سيقدم له "فوثيرو"، مدرب الصوت، بعض النصائح المفيدة. وعلى العموم فسوف يلبي جميع موظفي الأوبرا رغبات "فَاغنر"، لعلمهم أنه يتمتع بحماية الأمبراطور والأمبراطورة.
لكن ثمة نقطة خلاف حادة مع قائد الأوركسترا بالأوبرا "لويس ديتش" - إنه عداء قديم - ففي عام 1840، خلال إقامته الأولى في باريس، جاء "ريتشارد فاغنر" – وهو يومئذ الملحن المغمور والفقير - ليقترح سيناريو أوبرا "السفينة الشبح" على "ليون بيليه"، مدير الأوبرا. وجد "بيليه" الفكرة مثيرة للاهتمام، لكنه آثر أن (رفض التعاون مع فاغنر، لذلك) يكلف أحد مريديه المعتادين على التدوين بكتابة الموسيقى. إنه ديتش قائد الأوكسترا الذي عرف كان معروفا بعدم كفاءته الموسيقية ولا سيما في قيادة الأوركسترا.لم يقع يومئذ ما يعكر الجو، ولكن للمرء أن يخمن المشاعر التي كان الرجلان يتبادلانها يومئذ وسوف تمضي أكثر من عشر سنوات على هذه الأحداث، ليتجدد اللقاء بين العدوين اللدودين، وجهاً لوجه، خلال بروفَات أوبرا "تانهويزر": "فاغنر" الملحن، و"ديتش" قائد الأوركسترا المكلف بقيادة أوبرا خصمه القديم.وسرعان ما احتدم الصدام مع قائد الأوركسترا ديتش، فقد كان هذا الأخير يرى نفسه قائدًا أفضل من فاغنر، وربما مؤلفًا أرقى. فكان يتعمد «تخريب» التدريبات: فيبطئ الإيقاع، ويغير السرعة طورا، و يفرض صرامة ميتـرونومية تُفقد الغناء مرونته تارة أخرى. والنتيجة أن المغنين لم يعودوا قادرين على ضبط أدائهم. وعندما احتج "فاغنر" بشدة - وهو محق في ذلك!- رفض "ديتش" أن يُعامل "كأنه آلة" على حد قوله.نفد صبر "فاغنر"، فطلب من إدارة الأوبرا أن يتولى قيادة الأوركسترا بدلًا من "ديتش". لكن أنظمة الأوبرا كانت واضحة، فهي تقضي بأن يمنع منعًا باتًا على أي مؤلف أن يقود عمله بنفسه... وإمعانا في مضايقة "فَاغنر"، أثار ديتش ضجة بين عازفي الحفرة، ونشر مقالات مسمومة في الصحف يتهم فيها الموسيقي الألماني بالغطرسة، وبمحاولة فرض "انضباط بروسي" على الفنانين الفرنسيين. وسعى كل طرف إلى كسب الإمبراطور إلى جانبه. لكن نابليون الثالث، الذي ضاق ذرعًا بهذه المناوشات، قرر أن يمنح فاغنر ما يشاء من حصص التدريب لإعداد "تانهاويزر"، فكان أن بلغ عددها — كما قيل — 164 تدريبًا!
مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.
https://www.arabmusicacademy.orgيسرنا دعوتكم للمشاركة في تعبئة هذا الاستبيان، الذي يهدف إلى تطوير مجلة الموسيقى العربية الإلكترونية الشهرية والارتقاء بمحتواها بما يواكب اهتماماتكم واحتياجاتكم.
أمانة المجمع العربي للموسيقى
أيلول 01, 2026
أيلول 01, 2026
أيلول 01, 2026


| Total Votes: | |
| First Vote: | |
| Last Vote: |
أيلول 01, 2026 Rate: 5.00
أيلول 01, 2026 Rate: 3.50
أيلول 01, 2026 Rate: 5.00
أيلول 01, 2026 Rate: 5.00
كانون2 12, 2012 Rate: 5.00
حزيران 30, 2012 Rate: 5.00
أيار 07, 2013 Rate: 3.00
أيار 02, 2015 Rate: 2.67
حزيران 30, 2012 Rate: 5.00