الملحون المغربي: من التوثيق والبحث إلى الحماية والتثمين

حوار مع الباحث الأكاديمي المتخصص في الشعر الملحون المغربي الدكتور عبد الإله جنان

amma02.png

المحاور: الدكتور سفيان أكديرة

يعد شعر الملحون مرآة ناصعة للهوية المغربية، تتحد فيه مرائي ومشاهد وأحاسيس تعبر عن عمق الوجدان المغربي وأصالته، أصالة أهَّلته لكي يكون وقودا إنسانيا انبجست من صواه العديد من الدراسات والكتابات التي سعت إلى إضاءة عَتماته التاريخية والإبداعية، هنا نتذكر أعمالا طلائعية لا بد من ذكرها مثل كتاب "القصيدة: الزجل في المغرب" الذي هو عبارة عن أطروحة تقدم بها المرحوم عباس الجراري عميد الأدب المغربي لنيل شهادة الدكتوراه، و"معلمة الملحون" للمرحوم الفاسي صادرة عن أكاديمية المملكة المغربية، إضافة إلى كتابات أخرى خرجت من رحم هذين العملين، منها أعمال ذات نفس أكاديمي صرف، وأخرى هي عبارة عن جهود توثيقية ومعلومات على أهميتها لا تخلو من انطباعات شخصية.

هنا يحضر اسم الأستاذ عبد الإله جنان كأحد أهم الباحثين المشتغلين في هذا المضمار جامعا بين المعرفة الميدانية بالملحون باعتباره أحد أبناء أهم حواضر هذا الفن وهي مدينة أزمور التي تجرع فيها نسغ هذا الفن نظما وطربا وثقافة سارية في المجتمع الآزموري، وباحثا أكاديميا تدرج في معارج التكوين الجامعي بكلية الآداب في جامعة محمد الخامس بالرباط إلى أن تخرج منها بدراسة نقدية لديوان شاعر آزمور الشيخ أحمد بنرقية تحت إشراف أستاذه الدكتور عباس الجراري.

سنسعى من خلال هذا الحوار إلى مناقشته في العديد من القضايا التي تشغل بالنا حول المنجز المعرفي للملحون، وراهن الحماية المؤسساتية لهذا الفن ورهاناتها في ضوء تأملاته باعتباره خبيرا في الموضوع على مستوى البحث والتأمل وعلى مستوى التسيير المؤسساتي والتظاهراتي.

السؤال 1:

بداية مرحبا بك أستاذ عبد الإله جنان، أريد أن أبدأ الحوار معك بالرجوع قليلا إلى المنجز التأسيسي للبحث في الملحون، كيف تنظر له وقد فارقنا أصحابه وتغيرت السياقات الحضارية العامة والخاصة التي عاشوا فيها؟

الجواب 1:

شكرا سيدي سفيان على هذه الفسحة التأملية التي أتت على حين غرة بفضل استفزازك الفكري الجميل على عادتك و"لهلا يقطعها عادة" على حد قول "الملاحنية".

مبدئيا لا يمكن أن يختلف الباحثون عن المنجز التأسيسي للبحث في شعر الملحون، لأنه بكل بساطة يقتصر على مؤلف "الزجل في المغرب، القصيدة" للدكتور عباس الجراري الذي صدر سنة 1970، وأجزاء لم تكتمل للأسف من "معلمة الملحون" لمحمد الفاسي. والاطلاع عليهما يُمَكِّنك من ملاحظات أولية، نختزلها بالنسبة لمؤلف "القصيدة" في انخراطها ضمن دينامية قومية عربية أصيلة تدعو لمراجعة التاريخ الأدبي العربي وإدراج الثقافة الشعبية ضمن مكوناتها الأساسية، وحاولت في الحين ذاته، وضع أسس بنية متكاملة لقصيدة الشعر الملحون المغربي.

غير أن "المعلمة" انطلقت من مشروع تصور متناغم لنفس البنية بمنهجية قاعدية اعتمدت على "الكنانيش" المخطوطة والشعراء و"الحَفَّاظْ" والرواة والمنشدين. وانطلقت من حدث "المؤتمر الوطني لرجالات الملحون" الذي نظمه محمد الفاسي سنة 1970 كذلك بمدينة مراكش أثناء تقلده منصب وزير الثقافة في الحكومة المغربية آنذاك، وحشد له أكثر من مائة مشارك ما بين شعراء وحفاظ ورواة ومنشدين وعازفين، شكلت نتائجه أرضية وركيزة لبداية إصدار "معلمة الملحون" سنة 1980، والذي توقف للأسف رغم وجود تصور واضح لكل أقسامه وأجزائه.

وبين الإصدارين اختلافات منهجية عميقة ترجع في مقام أول إلى منطلقات ومرجعيات "القصيدة" بأبعاد عربية قومية انطلقت من مصر وتأسست كبنية تفاعلية مركزها القاهرة وامتداداتها الفرعية في باقي الأقطار العربية، اعتمدت في منطقها القومي على الاختلاف والتنوع كمصدر لإغناء وإثراء الوحدة العربية بَدَلَ المشترك.

وترجع في مقامٍ ثانٍ إلى اعتماد مشروع "المعلمة" على منهجية تاريخية وصفية وطنية اعتمدت على جمع الأخبار والروايات والكنانيش (المخطوطة) في استقلال عن أي فاعل خارجي مستغلة الإمكانات المتاحة من سلطة ونفوذ ومعرفة دقيقة بالملحون، كان لها الأثر البالغ في فك شفرات المصادر على اختلافها وتنوعها بشرية كانت (أهل الملحون) أو تلك المرتبطة بالوصول للكنانيش المتضمنة للقصائد وأخبار الشعراء.

هذا بإيجاز بسط للمنجز التأسيسي للبحث في الشعر الملحون، وما عدا ذلك بقي يتراوح بين دراسات تاريخية وصفية إقليمية أو مقاربات نقدية تحليلية للتجارب الشعرية، ولا أستثني هنا رسالتي الجامعية تحت إشراف الدكتور عباس الجراري  سنة 1996، والتي صدرت ككتاب سنة 2024 بعنوان "شعر الملحون بحاضرة آزمور".

السؤال 2:

أستاذ عبد الإله، قليلة هي الشخصيات العلمية التي كانت لها امكانيات التأثير المعرفي في الأجيال، مثلما فعل الأستاذ الجراري، رحمه الله، الذي كان يشرف على الرسائل والأطاريح الجامعية، كما أشرف على سلسلة "موسوعة الملحون" التي تصدرها أكاديمية المملكة المغربية، واليوم هل هناك ارتكاس علمي في هذا الباب أم نهضة بنفس مختلف؟

الجواب 2:  

أظن أن النهضة العلمية في الشعر الملحون بدأت بالفعل مع الدكتور الجراري والاستاذ الفاسي، رحمهما الله، لكنها توقفت بسبب عدم تمكنهما من تأسيس جيل من الباحثين المتخصصين في دراسة الشعر الملحون قادر على إحداث تراكم كمي ونوعي يفتح المجال لحركية ودينامية واستمرارية في البحث والدراسة، رغم المحاولات الحثيثة للدكتور عباس الجراري من داخل الجامعة المغربية، والتي وصفها في كتابات عديدة بـ "التحايل" لإدخال درس الملحون ضمن تخصص الأدب المغربي.  لكن توقف هذه النهضة العلمية لها في نظري أسباب موضوعية تعدت قدرات الدكتور عباس الجراري وحتى الاستاذ محمد الفاسي رغم وجوده على رأس وزارة الثقافة آنذاك.

أما بخصوص المشاريع التي أطلقتها أكاديمية المملكة المغربية والمتعلقة بشعر الملحون، والحديث هنا عن "معلمة الملحون" التي أَنجز بعض أجزائها وأقسامها الاستاذ محمد الفاسي، وكذلك سلسلة "موسوعة الملحون" التي أشرف عليها الدكتور عباس الجراري وترأس لجنتها العلمية، وهي عبارة عن دواوين لشعراء الملحون وصدرمنها أحد عشر ديوانا، فإننا نصطدم بحقيقة واضحة وهي أن كلا المشروعين لم يكتملا وتوقفا برحيل المشرفين عليهما للأسف.

والحل في تقديري لتفادي هدر الجهد والزمن المؤسساتي هو تنزيل وتفعيل القانون رقم 19.74 المتعلق بإعادة تنظيم أكاديمية المملكة المغربية، خاصة منه المادة 17 المتعلقة بإحداث المعهد الأكاديمي للفنون كأحد الأجهزة العلمية للأكاديمية، وجاء تفصيل مهامه ومكوناته وأجهزته في المادة 40 من هذا القانون عهد إليه بتنمية الإبداع الفني والاعتناء بالفنون والتراث المغربي الأصيل بكل أشكاله وتنوع مكوناته، والعمل على التعريف به، والإسهام في الحفاظ عليه وتثمينه بكل السبل المتاحة.

والحق أن هذا المستجد (المعهد الأكاديمي للفنون) كفيل، إذا تم تنزيله وتشكيل مجلسه الداخلي وتوفير كل الوسائل الضرورية لاشتغاله، بإيقاف هذا الهدر وتدبير كل الجهود في اتجاه حماية وصون وتثمين تراث الملحون المغربي.

السؤال 3:

على ذكر وزارة الثقافة، إلى أي حد تساهم المؤسسات في المحافظة على الملحون وتطويره؟

الجواب 3:

أصبح مؤكدا اليوم أن غياب او لنقل تَعَنُّت الجامعة المغربية في إدراج الإبداعات التراثية المغربية (الملحون والأمازيغية والحسانية) ضمن مقرراتها البحثية يؤثر كثيرا في مسار الحفاظ وصون الشعر الملحون والتأريخ له ودراسته، ناهيك عن عدم قدرة باقي المؤسسات وعلى رأسها الأكاديمية (رغم اطلاقها لمشاريع ارتبطت بأشخاص لا بالمؤسسة، تتوقف برحيل الساهرين عليها) على استكمال كل المشاريع التي تطلقها والمتعلقة بالشعر الملحون.

وفي اعتقادي أن من بين أسباب تعنت الجامعة اليوم غياب جامعيين متخصصين أو قادرين على ولوج عوالم تراثهم المغربي الملحون بالأريحية اللازمة، مع بعض الاستثناءات طبعا، رغم امتلاكهم لأدوات منهجية علمية للدراسة والبحث. وأظن أن لحظة المصالحة مع تراث الأمة أصبحت ضرورة لأنها أصبحت ضرورة هوياتية وجودية قبل كل شيء.

والغريب أنك لما تلج أي كلية للآداب بجامعاتنا المغربية، تجد تخصصات الأدب العربي والأدب الفرنسي والأدب الإنجليزي ولا تجد تخصصا للأدب المغربي، هذا يحدث في كليات الآداب المغربية، وتفهم بدون جهد أن أدبنا المغربي بكل تنوعه يُستثنى إلا ما أُنتج باللغة العربية المُعربة. وهو في الحقيقة موقف غريب ومحرج جدا.   

السؤال 4:

ما افاق العمل التي يجب التعجيل بها؟

الجواب 4:

الحديث عن آفاق العمل، مرتبط بالضرورة بقلة الباحثين المتخصصين الأكاديميين في تراث الملحون أدبا وفنا، وبامتلاك من سواهم من الدارسين لأدوات منهجية علمية تمكنهم من سبر اغوار قصيدة الملحون والكشف عن عوالمها الخفية وتقديمها وإدراجها للعلن. وهذا الأمر أثر بشكل كبير في عدم إحراج مؤسساتنا العلمية والجامعية منها على الخصوص، وثنيها عن موقفها المتبرئ من أدبنا الملحون.

وهذا الموقف هو الذي جعلني أقرر الانكباب على الكتابة في قضايا وظواهر الشعر الملحون المغربي والانفتاح على الشعر الملحون في كل الأقطار العربية للكشف عن المشترك بينها والتفصيل في خصوصيات كل قطر حتى في تعامل مؤسساته مع تلك الإبداعات توثيقا ودراسة ونشرا.

السؤال 5:

هذا يدفعنا للتأمل في مفهوم التأصيل… هل هذه البحوث ستحتفظ براهنيتها التأصيلية في ظل التطورات التي يعرفها الحقل النقدي… هل واكب البحث في شعر الملحون الانعطافات الاساسية التي عرفها النقد؟ ويا ترى هل استشرف مناطق معتمة في ذلك؟

الجواب 5:

في إطار الحديث عن مفهوم التأصيل، من وجهة نظري أن أي دراسة نقدية حاولت التعامل مع الشعر الملحون مهما توسلت بالمناهج النقدية الحديثة وغيبت المفاهيم النقدية التي اصطنعتها مؤسسات مشيخة الملحون لتقويم مواكبة الشعر الملحون عبر مراحل تكونه ولحظات اكتماله، ستكون غير أصيلة وستكون غريبة عن بيئة الملحون وغير قادرة على ولوج عوالمه والتمكن من ميكانيزماته وٱليات اشتغاله.

أما عن قضية راهنية الدراسات وقدرتها على مواكبة تطور الحقل النقدي، فلا يمكن الحديث عن هذا الأمر في غياب تراكم كمي ونوعي لتلك الدراسات. والواقع اليوم أن ما صدر ويصدر لحد يوم الناس هذا -باستثناء "القصيدة" و"المعلمة" وبعض الدراسات المعدودة على رؤوس الأصابع، لا يمكن اعتباره دراسات وبحوثا علمية، بل يمكن اعتبار بعضها انطباعات أولية لباحثين أكاديميين غير متخصصين، أما باقي الإصدارات من وجهة نظري فهي كتابات لا يمكن تصنيفها ضمن الدراسات العلمية ويمكن تصنيفها ضمن الكتابات التي تنتجها البنية المنغلقة لشراح القصائد احيانا والفانطاستيكية أحايين أخرى.

السؤال 6:

ما هي الآفاق الإجرائية التي تقترحها في هذا الصدد؟

الجواب 6:

الأفاق الإجرائية الممكن اقتراحها!!!!

أولا الكتابة والنشر اعتمادا على مناهج علمية تأخذ بعين الاعتبار المفاهيم الأصيلة التي اعتمدتها مؤسسة مشيخة الملحون المغربي، والمزيد من الإحراج والضغط على المؤسسات الجامعية المغربية الكفيلة بخلق تراكم بحثي كمي ونوعي جاد سيشكل فارقا لا محالة.

كما أن يقظة المجتمع المدني في مراكز الملحون في توجيه الأنشطة والتظاهرات لعبت دورا طلائعيا في الحفاظ على الجوانب الإنشادية وبرمجة ندوات علمية تطرح كل القضايا المتعلقة بتراث الملحون المغربي يشارك فيها متخصصون لبحوث جادة.

السؤال 7:

ما هي الأسباب العميقة للارتكاس الذي يعرفه الخطاب العلمي حول الملحون؟

الجواب 7:

في تقديري ليست هناك انتكاسة للخطاب العلمي المتعلق بشعر الملحون حتى نبحث في أسبابها.

ما قام به محمد الفاسي وعباس الجراري كان محطة صلبة لانطلاق البحث العلمي في تراث الملحون، لكن رهانهما على الجامعة المغربية وأكاديمية المملكة المغربية ووزارة الثقافة لم يكن آمنا وكافيا من الناحية الاستراتيجية لكسب هذا الرهان.

وإذا كان هناك من قصور ونقص ظاهر في الخطاب العلمي حول الملحون، فمرده الأساس اعتماد الدارسين-وحتى الرواد الأوائل منهم- على الأخبار والروايات، والتي في الغالب الأعم لم تكن دقيقة وذات صدقية تاريخية، وللأسف انبنت عليها وتأسست تصورات ونظريات سواء تلك التي تعلقت بتاريخ الملحون وبداياته وتطوره ونشأته، هذا بالإضافة إلى كل ما كتب عن هذا التراث، والذي في أغلبه يبتعد عن علمية الخطاب والمقاولات النقدية الجادة.

واليوم، مع كل هذا، نحتاج إلى أن نمسح الطاولة والقيام بعملية غربلة وإمعان النظر والعقل في كل ما كتب ومراجعته على أسس علمية دقيقة.

وهذا الامر كان الدكتور عباس الجراري، رحمه الله، يضعه في حياته كمرحلة ثانية بعد إخراج كل النصوص المتوفرة والأخبار والروايات، وإحداث تراكم كمي يفضي بعد ذلك لعمليات تحقيق النصوص والأخبار والتدقيق في الروايات لإعادة بناء صحيحة لتراث الملحون، تفضي إلى إعطاء صورة مكتملة وواضحة عن الأدب المغربي، ونستجلي من خلالها القيم الفنية والإنسانية التي حملها شعراء الملحون.  هذا بالإضافة إلى استكمال جزء مهم من الهوية المغربية، قد تندثر ما لم تُوضع استراتيجية متكاملة للحماية والصون.

الحفاظ على تراث الأمة وموروثها المادي  واللامادي مسؤولية الدولة والحكومات لأنه التزام وجودي للأمم وعنوان عراقتها وهويتها ولا يمكن الرهان فيه على الأشخاص والمؤسسات وخياراتها السياسية الضيقة.

وأظن أن حدث تسجيل الملحون باللائحة التمثيلية للتراث اللامادي لدى منظمة اليونسكو في 6 كانون الاول/ديسمبر 2023 كان فرصة لإحداث تغيير تاريخي في إعادة النظر في التعامل مع تراث الأمة المغربية عبر دعوة الحكومة وكل المؤسسات ذات الصلة لأخذ الأمر بجدية أكثر، لكن بعد مرور أكثر من سنتين يبدو أن الرهان لا زال بعيدا عن التحقق.

السؤال 8:

هذا يدفعنا مباشرة الى الحديث عن السياسة الثقافية بالمغرب، فهل الصناعة الثقافية التي ترفع شعارها وزارة الثقافة تسير نحو هذا الأفق؟ والى أي حد يمكن ان نجعل من الملحون صناعة ثقافية؟

الجواب 8:

مبدئيا وزارة الثقافة غير معنية بالبحث العلمي والدراسات النقدية. لكن على مستوى حماية وصون الملحون كتراث لامادي مغربي يدخل في صميم عملها. وأظن أن لها مسؤولية مباشرة في وضع سياسة واستراتيجية متوازنة للحفاظ على مراكز الملحون من خلال تنظيم أنشطة وتظاهرات تساهم في تشجيع المنشدين والعازفين لمواصلة الاحتفاء والاحتفال بتراثهم.

والوزارة في ذلك مضطرة لإعطاء النموذج بملتقى سجلماسة بتافيلالت كمهرجان عريق يختزل تاريخ وعمق الملحون المغربي، لكن الواقع يشهد ان السياسة الثقافية والصناعة الثقافية تصدأ عجلاتها في كل محاولة للتعامل مع الملحون والمشتغلين فيه.

بخصوص الصناعة الثقافية، في تقديري تنطلق بخلق مؤسسات تعمل على إعداد الأرضية وتهيئ المشتغلين في فن الملحون للانخراط في أي برنامج من اجل أن يصبح الملحون قابل للأنتجة والترويج.

وقد كنت قد كتبت عن "مؤسسة دار الملحون" كفضاء يمكن إحداثه بكل مراكز الملحون هدفه الأساسي تكوين الشباب وتنشيط المركز وإحياؤه وهو بذلك يعوض مؤسسة مشيخة الگريحة التي كانت تقوم بهذا الدور وحافظت على تراث الملحون لما يزيد على أربعة قرون.

السؤال 9:

صحيح أن وزارة الثقافة غير معنية بالبحث العلمي، لكنها معنية به من جهة أن الثقافة مادة للبحث العلمي، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي تنهج هي أيضا سبيل تصنيع هذا الأخير وبالتالي تصنيع الثقافة عبر إجراءات عديدة ومتحولة في كل لحظة، تعدد وتحول أفضى إلى حالة مزرية تشهدها جامعاتنا اليوم… ألا يمكن القول: إن الجمعيات والمؤسسات الثقافية ومراكز البحث من شأنها أن تلعب دورا موازيا بإمكانه أن يرأب هذا الصدع الصارخ الذي تعيشه بلادنا؟

الجواب 9:

وضعية الجمعيات والمؤسسات الثقافية وحتى المراكز البحثية تفتقد للفعالية في غياب التخصص واختلاف الأهداف، مثلا المسرح الفرعوني لا يدخل في الصناعة الثقافية بمصر عكس باقي المشاريع الثقافية، والدولة هي التي تدعمه وتحافظ عليه وتصونه، لأنها تعي تماما أنه جزء من هوية الدولة وتاريخها وثقافتها التي تميزها عن باقي الأمم.

والملحون بمقارباته المتعددة، الأدبية والفنية والاجتماعية والثقافية لا يمكن أن يكون موضوعا لصناعة ثقافية في غياب شروط تداوله وانتشاره وفي غياب توثيقه كتابة وتسجيلا.

إن الأمر يحتاج إلى قرار سيادي تتخذه الدولة، يهدف إلى حماية تراث الأمة وصونه وتثمينه، وتعمل المؤسسات المعنية وعلى رأسها التعليم العالي والبحث العلمي، على تنزيل مشاريع بحثية رصينة من شأنها أن تحقق التراكم المنشود والكشف عن النبوغ المغربي والقدرات الإبداعية الخلاقة للمغاربة.

السؤال 10:

إذا كانت حماية الملحون تقتضي إرادة مؤسساتية وقرار دولة، فما هي المشاريع الكفيلة بصون هذا التراث وتوثيقه وضمان استمراره؟

الجواب 10:

تحقيق ذاكرة الشعر الملحون وصونه من الضياع والتزوير لا يتحقق فقط بإصدار دواوين الشعراء وإنجاز الدراسات والأبحاث، ولو أنها ضرورية لاستكمال صورة ومعالم تراثنا الشعري المغربي، بل بالتفكير في كل تلك البنية التي حددت وجود هذا الكائن الزاخر بالإبداع الشعري والإنشادي والموسيقي والطقوسي الاحتفالي داخل المجتمع المغربي، بكل ما يصاحب ذلك من مكونات ووشائج علائقية ترتبط بالآلات الموسيقية والألبسة وصناعاتها، وتأثيث الجلسات والنزهات وما ارتبط بها من أعراف: قول الشعر وإنشاد القصائد وتربية المريدين على مشيخة "الشجية" ومشيخة "الكريحة".

لذلك يعد إنجاز أنطولوجيا للملحون ضرورة ضمن بنية هذا التراث، الهدف منها التوثيق الصوتي والنغمي الموسيقي والإيقاعي في أبهى صور الجمال الأصيل في هذا الشعر. أي توثيق لحظات الاستمتاع الجارفة التي حَرَّكت مجتمعا بكامله طيلة قرون من الزمن في الحفلات والأفراح والأسواق والساحات و"النّْزَايه" في تفاعل وجداني ساحر.

والأمر لا يتعلق بإنجاز تسجيلات موسيقية غنائية منعزلة ومعزولة تستهدف جمهورا متجانسا، بل الهدف الأساسي والرهان هو تجسيد الحضارة الخلاقة التي عاشها المغاربة وعبر عنها شعراء الملحون عبر قرون من الإبداع الشعري والفني، مع ما ارتبط بذلك من شغف المجتمع بكل فئاته بهذا التراث، حتى أصبح ديدنهم وديوانهم وسجل حياتهم وميسم هويتهم.

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

استبيان آراء القراء

يسرنا دعوتكم للمشاركة في تعبئة هذا الاستبيان، الذي يهدف إلى تطوير مجلة الموسيقى العربية الإلكترونية الشهرية والارتقاء بمحتواها بما يواكب اهتماماتكم واحتياجاتكم.

أمانة المجمع العربي للموسيقى

دخول صفحه الاستبيان 

 

 

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل تؤيد إدراج الموسيقى العربية الأصيلة ضمن المناهج الدراسية؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM