آندريه بول وموسيقيو اليوم*
اعداد: عبد العزيز ابن عبد الجليل
عندما علمت، بمحض الصدفة، أن زميلنا أندريه بول قد "أطلق" للتو مع جان سولار- كما يُقال- مجموعة مخصصة لـ "موسيقيي اليوم" (مع هذا العنوان الفرعي الجميل: "كلمات بدون موسيقى")، فكرت على الفور في أن قراء "موزيكا" قد يهتمون بهذا الإنجاز القريب جدًا، على الأقل في روحه، من الجهد الذي تبذله مجلتنا.
وقبل أن أنقل إلى قراء مجلة "موزيكا" حوارنا مع آندريه بول، وخاصة إجاباته، اسمحوا لي أن أقدم لكم هذا الرجل الاستثنائي.
إنه كالفضة الحية. عينه الصافية تتفحصك، وتتوقع طلبك مسبقًا. ومن شفتيه الرقيقتين، اللتين تذكران بشفاه فولتير، ينطلق الرد سريعًا كالبرق. آندريه بول، على حد علمي، لم يكن يومًا عضوا في أي فرقة باليه، ولا حتى فرقة فرانسواز ساغان؛ لكنه يرفرف كالجني. تؤشر يده للكلمة التي ينطقها، وتتوقع في كل لحظة أن تراه يقفز من كرسيه ليقوم بحركة راقصة ساحرة... يتحرك جسده، وكأنه مأخوذ بجنون داخلي، وكأن الأفعال الكامنة تغلي داخل صدره. قناع ممثل إيمائي، ساحر مثل قناع كوكتو الذي يشترك معه في تعبيراته الغريبة. في هذا الجسد النحيف، حيث تشعر بشعلة رهيبة تحترق باستمرار، كل شيء فيه يهتز، كل شيء يرقص، كل شيء يصبح موضوعًا للإيقاع والاستحضار والتوضيح. ذكاء حاد يخترق الجلد ويشع كالنور. إنه كالفضة الحية.
كان يكفي لـ آندريه بول أن يدخل مكتبي ليدرك بنظرة واحدة ما أكنه في نفسي. أمامي على الطاولة وضعت ثلاثة مجلدات صغيرة من مجموعة "موسيقيو اليوم". إليكم عناوين ومؤلفي هذه الأعمال الثلاثة: "أوليفييه ميسيان"، بقلم كلود روستان - "مارسيل ديلانوي"، بقلم آندريه بول - "موريس تيرييه"، بقلم جان سولار.
سؤال: ها أنت ترى يا صديقي العزيز، بِمَ يتعلق الأمر بالضبط... تقبل مني الأمر بصدر رحب. اجلس، وقل لي، أو بالأحرى، قل لنا - نحن: قراء موزيكا- لأي سبب اخترت هذا العنوان (أو بالأحرى هذا البرنامج): "موسيقيو اليوم؟".
الجواب: لماذا "موسيقيو اليوم"؟ لسبب بسيط للغاية: هو التعريف بهم بشكل أفضل لكي يُحبوا بشكل أفضل. وفي نظري أن الملحن الموهوب الذي لا يزال على قيد الحياة يثير الاهتمام أكثر من الموسيقي العبقري الذي طواه الموت. انظروا إلى هونيغر... ألم ينتفض طوال حياته، بشدة، ضد عصره، هذا العصر الذي يُظهر شغفًا بالأدب والرسم المعاصرين، لكنه يفتقر تمامًا إلى الفضول تجاه موسيقِي زمنه؟
سؤال: باختصار، يبدو أنك تريد إصلاح ظلم ما... من الواضح جدًا أن الصحافة الكبرى، تمامًا مثل المجلات المتخصصة، لها تأثير محدود للغاية في هذا الاتجاه...
الجواب: الصحافة الكبرى، بالتأكيد، لا تمنح سوى مساحة ضئيلة للأنشطة الموسيقية في عصرنا. باستثناء تلك الموجودة في "لوموند"، أين هي مسلسلات أيام زمان؟ تحليل كتاب نشر حديثا (عمل جديد بعد استماع واحد) - وغالبًا ما يكون الأخير- يختزل في عشرة أسطر! لحسن الحظ، هناك مجلة "موزيكا" التي، بفضل توجهها السليم تخوض المعركة الصحيحة!
سؤال: في الوقت الحالي، حيث تُناقش الموسيقى الحديثة بمرارة شديدة، وحيث يطلب الكثير من الهواة أن يصار إلى توجيههم بصدق، يبدو أن "مجموعتك" جاءت في الوقت المناسب. مثلما يبدو أن في إمكان الجمهور العريض أن يُكوّن بسهولة رأيًا شخصيًا حول السؤال الكبير: "مع أو ضد الموسيقى الحديثة؟".
الجواب: أن نكون مع أو ضد الموسيقى الحديثة؟ نحن – في الحقيقة - مع الموسيقى الجيدة وضد الموسيقى السيئة، تلك التي "لا تستحق العناء"، حسب التعبير الشهير لشابرييه. أتباع الموسيقى "الدوديكافونية"؟ إنهم، بلا شك، ثوريون شكليا. لكن الكتابة الموسيقية، على الأقل بالنسبة للجمهور العريض، هي وسيلة وليست غاية. ومهما حاولنا شرح هذه الموسيقى، ومهما سخرنا لذلك من جهد في تقريبها للمستمع فلن يجدينا ذلك في شيء طالما أنها لا توثر فيه ولا تغريه ولا تثير حماسه.
هل يكفي وصف طريقة تحضير طبق الأرنب الملكي، وفقًا لأصول الفن، لجعل المرء يقدر هذا الطبق؟ لا. إذن؟ كما قال شونبيرغ، أبو الموسيقى السريالية، لأحد تلاميذه الذي كان يبالغ في تقدير النهج الدوديكافوني: "فكر في كل الألحان الجميلة في سلم دو الكبير التي لم تُكتب بعد!"
سؤال: بتصفح هذه الأعمال الثلاثة التي رأت النور حديثا، تمكنت من ملاحظة ميلك إلى عدم الفصل كثيرًا بين العمل والإنسان وشخصية الإنسان المؤلف للموسيقى... وهو ما لا يمكنني أن ألومك عليه، بل على العكس، لأننا في فرنسا، شئنا أم أبينا، نظل إنسانيين، يثير فضولنا الجانب الخاص بالسيرة الذاتية!
الجواب: بالتأكيد. لكي يكون الموسيقي حيًا، حيًا بحق، لا بد أن يكون كذلك من جميع النواحي. أليس من الممتع، عندما نستمع لسيمفونية من تأليف "ميسيان"، أو أوبرا لـ "ديلانوي"، أو باليه لـ "تيرييه"، أن تمثل أمام أعيننا صورة أخلاقية وجسدية لهؤلاء؟ جميع الفنون مترابطة. ولا بد للذوق الأدبي والتشكيلي للموسيقيين أن يلقي الضوء على جوانب معينة من أعمالهم. هكذا هو الحال مع ديبوسي، على سبيل المثال. ألا يفسر تذوقه للأشياء النفيسة في الشرق الأقصى بعض ما في لغته الموسيقية من محسنات التعبير؟ سأذهب إلى أبعد من ذلك لأقول: الموسيقي الشره لا يكتب نفس الموسيقى التي يكتبها الموسيقي المتذوق.
سؤال: عند قراءة المجلدات الثلاثة من مجموعتك، سرني أن ألاحظ الاستقلالية التامة لخطة عملك وإنجازاتك. إنها ميزة نادرة في مجال علم الموسيقى، حيث نصطدم في كثير من الأحيان بـ "المدارس المناصرة"، و"التحيزات" الجمالية. سيكون الجمهور العريض ممتنًا لك، بكل تأكيد، لعدم تعقيد مشكلة المعرفة؛ وسيكون شاكرا لك سعيك، على العكس من ذلك، لتوضيحها.
الجواب: أنا أقدر الموهبة "حيثما وجدت"، في فرنسا، وأيضًا في الخارج. لا توجد تحيزات جمالية: أبواب هذه المجموعة مفتوحة للجميع، بشرط أن يكون إنتاجهم ذا جودة وحجم كافيين لتبرير إدراجهم فيها. ...لا مكان للجدل، هنا، فهو لا يهمنا. وهذا لا يعني أننا لن نعرض، بأمانة، الآراء التي جمعناها من أفواه الملحنين أنفسهم. لا مديح مفرط، ولا انتقادات لاذعة. نريد تقديم الشخصيات والأعمال من زاويتها الأكثر إيجابية، ولكن دائمًا في ضوء الحقائق، وبعيدا عن أي فكرة مسبقة. والأمر متروك للقارئ ليستنتج.
سؤال: لإنهاء هذا الاستجواب الصريح، هل لك أن توضح لنا نوع الكتّاب الذين حرصت على التوجه إليهم لإعداد هذه المجموعة، الصغيرة في شكلها، والمتواضعة في سعرها، والتي نعتبرها من وجهة نظرنا مشروعًا كبيرًا ونبيلاً، لأنها تتوجه إلى جمهور واسع ومتطلع؟.
الجواب: توجهت إلى جميع الشغوفين بالشأن الموسيقي، محاولًا التوفيق بأفضل شكل ممكن بين النقاد والكتاب من جهة، والملحنين من جهة أخرى، في تزاوج متناغم. وبحكم أن هذه المجموعة لا تركز على التقنية، لم نكن مضطرين للاستعانة حصريًا بعلماء الموسيقى المتخصصين، مما وسع خياراتنا بشكل كبير.
ومرة أخرى، تحتل صورة الإنسان في هذه الدراسات الموجزة مكانة لا تقل أهمية، إن لم تكن أكثر، عن مكانة أعماله.
مسألة أخيرة: يخصص كل كتيب صفحاته الأخيرة لكتالوج زمني للأعمال الرئيسية، وهو وثيقة لا غنى عنها للنقاد والناشرين، ولقادة الفرق الموسيقية وفناني الجمعيات السيمفونية، ومسارح الموسيقى والرقص، والإذاعة والتلفزيون.
كنت على وشك طرح سؤال آخر... لكن أندريه بول كان قد رحل بالفعل... طار، تبخر... سنجده بالتأكيد، في أحد هذه الأيام القادمة!
* H.G. (1958 Juin). Musica, n° 51, pp 53 – 55.
مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.
https://www.arabmusicacademy.orgيسرنا دعوتكم للمشاركة في تعبئة هذا الاستبيان، الذي يهدف إلى تطوير مجلة الموسيقى العربية الإلكترونية الشهرية والارتقاء بمحتواها بما يواكب اهتماماتكم واحتياجاتكم.
أمانة المجمع العربي للموسيقى
أيلول 01, 2026
أيلول 01, 2026
أيلول 01, 2026


| Total Votes: | |
| First Vote: | |
| Last Vote: |
أيلول 01, 2026 Rate: 5.00
أيلول 01, 2026 Rate: 3.50
أيلول 01, 2026 Rate: 5.00
أيلول 01, 2026 Rate: 5.00
كانون2 12, 2012 Rate: 5.00
حزيران 30, 2012 Rate: 5.00
أيار 07, 2013 Rate: 3.00
أيار 02, 2015 Rate: 2.67
حزيران 30, 2012 Rate: 5.00