اعداد: د. ليندا حجازي
ضمن فعاليات الدورة الأربعين من مهرجان جرش للثقافة والفنون، وبالتعاون مع نقابة الفنانين الأردنيين، قُدّم العرض الموسيقي الاستعراضي "ليلة أندلسية"، الذي حمل رؤية فنية تسعى إلى إعادة تقديم الموسيقى العربية التقليدية بروح معاصرة، تجمع بين أصالة المادة الموسيقية وجماليات العرض البصري.
جاءت فكرة العرض من الفنانة الدكتورة ليندا حجازي، التي أرادت من خلال هذا العمل تقديم الموسيقى الأندلسية، وبشكل خاص الموشحات، في إطار تجربة فنية متكاملة تتداخل فيها الموسيقى والغناء والحركة والضوء والسينوغرافيا.
وتنبع أهمية اختيار الموسيقى الأندلسية من كونها تمثل إرثاً موسيقياً وثقافياً عابراً للزمن؛ فقد امتدت تجربتها وتطورت على مدى أكثر من ألف عام، وانتقلت تأثيراتها بين البيئات والثقافات، وظلت الموشحات واحدة من أبرز أشكالها التي حافظت على حضورها حتى اليوم.
الموشح من الأندلس إلى الحاضر
شارك في تنفيذ العمل نخبة من الموسيقيين الأردنيين بقيادة الفنان عبد الحليم الخطيب، ضمن توليفة موسيقية جمعت بين مجموعة التخت الشرقي وآلات غربية، من بينها البيانو والكونترباص. وقد أسهم هذا التكوين في خلق مساحة صوتية جديدة للموسيقى الأندلسية، من دون أن تفقد هويتها العربية، ما أتاح لها أن تُقدَّم بلغة موسيقية قادرة على مخاطبة المستمع المعاصر.
تميّز المحتوى الموسيقي بتنوع واضح في نماذج الموشحات، التي تنقلت بين مراحل ومدارس وتجارب مختلفة؛ فمن الموشحات الأندلسية القديمة، إلى المدرسة المصرية والحلبية، وصولاً إلى الموشحات الأندلسية المغاربية والتجارب المعاصرة.
ومن النماذج اللافتة التي حملها العرض موشح "يا مالكاً قلبي"، الذي قدّمه الفنان عبد الحليم حافظ، من كلمات الشاعر أحمد مخيمر وألحان محمد الموجي. وجاء اختيار هذا العمل ليؤكد أن الموشح لم يكن قالباً موسيقياً جامداً ارتبط بمرحلة تاريخية محددة، وإنما ظل قابلاً للتجدد وإعادة التناول في تجارب موسيقية مختلفة.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة "ليلة أندلسية": في تقديم التراث باعتباره مادة حية قابلة لإعادة القراءة والتشكيل، وليس مجرد مادة محفوظة تُستعاد كما هي.
من الحفل الموسيقي إلى العرض المتكامل
ما منح "ليلة أندلسية" خصوصيتها هو الجانب البصري الذي رافق الموسيقى والغناء. فقد تحولت الاستعراضات الراقصة إلى ترجمة بصرية للإيقاعات والألحان والحالات الموسيقية المختلفة، بحيث لم تكن الحركة الراقصة عنصراً مضافاً إلى الموسيقى، وإنما جزءاً من البناء الفني للعمل.
تنوعت الحركة بين الإيقاعات المركبة ذات الطابع الحركي، والإيقاعات البسيطة والرشيقة، بما يتناسب مع طبيعة كل مقطوعة وحالتها التعبيرية. وأسهم هذا التكامل بين العناصر السمعية والبصرية في نقل العمل من إطار الحفل الموسيقي إلى فضاء العرض الموسيقي الاستعراضي المتكامل. وقد تولى الفنان محمد المراشدة تصميم الإضاءة والسينوغرافيا محققًا هوية بصرية للعمل وحالة مسرحية تتفاعل مع الموسيقى وتدعم حضورها.
أصوات أردنية أكاديمية وتنوع أدائي
اعتمد العرض في الجانب الغنائي على أصوات أردنية أكاديمية محترفة، تمثلت في الفنانة الدكتورة ليندا حجازي، والفنان يزن الصباغ، والفنانة هيفاء كمال.

د. ليندا حجازي
وقدّم المغنون العمل من خلال مقطوعات منفردة وثنائية وثلاثية، أوجدت تنوعاً في الألوان الصوتية والأداء، وأضافت إلى العرض متعة سمعية وحضوراً أدائياً متجدداً.

يزن الصباغ
لم يكن التنوع في الأصوات هدفاً جمالياً فحسب، بل جاء منسجماً مع التوليفة الموسيقية المدروسة بعناية، ومع طبيعة الموشحات التي تتطلب حساً عالياً في الأداء والتفاعل مع المقامات والإيقاعات والجمل الموسيقية.

هيفاء كمال
والجدير بالذكر أن كل صوت أضاف لمساته الأدائية الخاصة، ضمن إطار حافظ على الخصوصية العربية للموشحات، وعكس ثراءها التاريخي وتنوع البيئات والمدارس الموسيقية التي أسهمت في تشكيلها.

هوية عربية بلغة تصل إلى الأجيال الجديدة
يطرح "ليلة أندلسية" سؤالاً مهماً حول مستقبل الموسيقى العربية التقليدية: كيف يمكن الحفاظ على أصالتها، وفي الوقت نفسه تقديمها بطريقة قادرة على الوصول إلى ذائقة الأجيال الطالعة؟
الإجابة التي قدمها العرض لم تكن من خلال تغيير جوهر الموسيقى، وإنما عبر إعادة صياغة طريقة تقديمها. فالمادة التراثية بقيت حاضرة، لكن ضمن بناء موسيقي وبصري معاصر، يجعل المتلقي شريكاً في التجربة، لا مجرد مستمع لها.
وقد كان حضور الشباب بين صفوف جمهور العرض مؤشراً مهمًا على إمكانية إعادة فتح الطريق أمام الموسيقى العربية التقليدية للوصول إلى هؤلاء الشباب وأمثالهم وبخاصة إذا ما قُدمت ضمن رؤى فنية تمتلك القدرة على الحوار مع الحاضر.
تجربة تحمل مشروعاً أبعد من ليلة واحدة
أشرف على العمل بشكل عام الدكتور محمد واصف، نائب نقيب الفنانين الأردنيين، فيما تولت الدكتورة ليندا حجازي الإخراج الموسيقي للعمل، ليأتي العرض ثمرة تعاون فني جمع بين الموسيقيين والمغنين والمصممين والراقصين ضمن رؤية واحدة.
ولعل القيمة الأبعد لهذه التجربة لا تكمن في نجاح "ليلة أندلسية" على خشبة مهرجان جرش فحسب، بل في قدرتها على طرح نموذج لكيفية التعامل مع التراث بوصفه مادة حية قابلة للتجدد. فالموسيقى التي عبرت الأزمنة والثقافات لا تستمر في الذاكرة من خلال الأرشيف وحده، وإنما حين تجد فنانين قادرين على إعادة اكتشافها وتقديمها بلغة فنية تستجيب للحاضر من دون أن تفقد جذورها.
ومن هنا يمكن النظر إلى «ليلة أندلسية» بوصفها خطوة في اتجاه تجارب أوسع تعيد الموسيقى العربية التقليدية إلى دائرة الاهتمام المعاصر، من خلال الجمع بين المعرفة الموسيقية والابتكار الفني. فمسؤولية الفنان لا تقتصر على حفظ التراث كما وصل إليه، بل تشمل أيضًا إيجاد السبل التي تجعله حاضرًا في وجدان الأجيال الجديدة، وقادرًا على مواصلة الحياة في المشهد الثقافي والفني.
مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.
https://www.arabmusicacademy.orgيسرنا دعوتكم للمشاركة في تعبئة هذا الاستبيان، الذي يهدف إلى تطوير مجلة الموسيقى العربية الإلكترونية الشهرية والارتقاء بمحتواها بما يواكب اهتماماتكم واحتياجاتكم.
أمانة المجمع العربي للموسيقى
أيلول 01, 2026
أيلول 01, 2026
أيلول 01, 2026


| Total Votes: | |
| First Vote: | |
| Last Vote: |
أيلول 01, 2026 Rate: 5.00
أيلول 01, 2026 Rate: 3.50
أيلول 01, 2026 Rate: 5.00
أيلول 01, 2026 Rate: 5.00
كانون2 12, 2012 Rate: 5.00
حزيران 30, 2012 Rate: 5.00
أيار 07, 2013 Rate: 3.00
أيار 02, 2015 Rate: 2.67
حزيران 30, 2012 Rate: 5.00