(Do-Re-Mi من درر مفصلات إلى ) أثر النظرية الموسيقية العربية في النهضة اللاتينية دراسة في إشكالية الأصول وتكامل الآلات

maga_arab02a.png

بقلم إدريس القائد

الملخص
تسعى هذه المقالة إلى تتبع خيوط التأثير الثقافي والموسيقي للموجة العلمية العربية الأندلسية في الموسيقى الغربية خلال العصور الوسطى وبدايات عصر النهضة.  يناقش البحث فرضية المستشرق "هنري جورج فارمر" حول الأصل العربي لأسماء النغمات اللاتينية (Solfège) المستندة إلى نظام "درر مفصلات"، واضعاً إياها في سياق مقارن مع الرواية الكنسية الكلاسيكية لـ "غويدو دأريتسو". كما يستعرض البحث الإسهامات الهيكلية للعرب في تطوير الموسيقى المقاسة (Measured Music)، وتأصيل هجرة الآلات الموسيقية والآليات الصوتية كآلة "الشقير".  يخلص البحث إلى تحليل الأسباب السوسيولوجية والتاريخية التي أدت إلى خفوت الاعتراف بهذا الإرث في السردية الموسيقية الغربية المهيمنة.

أولاً، المقدمة والإشكالية
ظل التاريخ الفني للموسيقى الغربية لقرون طويلة يُكتب بوصفه امتداداً نقياً للتراث الإغريقي الروماني، متبوعاً بالهيمنة الكنسية في العصور الوسطى. إلا أن حركة النقد التاريخي وعلم الموسيقى - الميوزيكولوجيا - الحديثة بدأت تعيد النظر في المساهمات الشرقية، وتحديداً الإسلامية والعربية، التي عبرت عبر جسور الأندلس وصقلية.  تتبلور إشكالية هذا البحث في تساؤل محوري: إلى أي مدى أسهمت النظرية الموسيقية العربية وآلاتها في صياغة القوالب والنظم الأساسية للموسيقى الغربية؟ وكيف يمكن تفسير الفجوة الجمالية واللغوية في مسميات السلم الموسيقي الغربي؟

ثانياً، فك الشفرة الصوتية[1] -  من "درر مفصلات" إلى الصولفيج الغربي 
تُعزى سردية نشأة السلم الموسيقي اللاتيني التقليدية (Solfège) إلى الراهب الإيطالي "غويدو داريتزو" (Guido d'Arezzo) في القرن الحادي عشر، مستشهداً بالترنيمة الدينية (Ut queant laxis) المكرسة للقديس يوحنا. ومع ذلك، تكشف القراءة الفيلولوجية[2] والموسيقية المقارنة عن ثغرات واضحة في هذه السردية:
1. أزمة المقطع الأول (Ut مقابل Do):  كانت النغمة الأولى في نظام داريتزو هي (Ut)، ولم تتحول إلى (Do) إلا في وقت لاحق على يد الموسيقي "جيوفاني باتيستا دوني" (Giovanni Battista Doni) في القرن السابع عشر. هذا التحول نحو مقطع يبدأ بالدال يتماشى بنيوياً مع الترتيب العربي المقترح.
2. فرضية فارمر ومينينسكي: ذهب المستشرق الإنجليزي "هنري جورج فارمر" (Henry George Farmer)، مدعوماً بأبحاث الاختصاصي الفيلولوجي[3] "فرانسيسكي مينينسكي" في القرن السابع عشر، إلى أن المقاطع السبعة هي محاكاة صوتية للحروف العربية: (د، ر، م، ف، ص، ل، س) والتي جُمعت في الجملة التذكيرية "دُرَرٌ مُفَصَّلاَت". 
3. التبيئة الكنسية (Cultural Naturalization): تشير الدراسة التحليلية للسياق التاريخي إلى أن داريتزو، الذي عاصر ذروة الترجمات اللاتينية للعلوم العربية في إيطاليا وصقلية، ربما قام بعملية "تبيئة" أو "مسيحية" للمصطلحات الفلكية والموسيقية العربية لتفادي الصدام مع الكنيسة إبان الحروب الصليبية، محولاً المقاطع الصوتية العربية إلى بدايات أسطر لترنيمة لاتينية قائمة بالفعل.

ثالثاً، الثورة الهيكلية - الموسيقى المقاسة والتدوين الزمني     
لم يكن التأثير العربي مقتصراً على المسميات، بل أحدث ثورة في ماهية الإيقاع الغربي. حتى القرن الثاني عشر، كانت الموسيقى الكنسية الأوروبية (الترتيل الغريغوري) تعتمد على "الإيقاع الحر" المرتبط بالنص اللفظي واللغوي، دون وجود وحدة زمنية رياضية منتظمة. 

في المقابل، قدم علماء الموسيقى العرب مثل الكندي والفارابي، ولاحقاً صفي الدين الأرموي في "كتاب الأدوار"، مفهوم "الموسيقى المقاسة" (Measured Music / Mensural Notation) .  ونقل الغرب عبر الأندلس مفهوم "المازورة" (المقياس) أو ضبط الزمن الموسيقي عبر الإيقاعات الرياضية (كالرمل والثقيل والهزج)، وهو ما مهد الطريق لظهور التدوين الإيقاعي الحديث على يد موسيقين أوروبيين متأثرين بالنظرية العربية مثل "فرانكو من كولون"[4] (Franco of Cologne).  

رابعاً، هجرة الآلات - من العود إلى البيانو      
تشكل مصطلحات الآلات الغربية اعترافاً لغوياً حياً بالفضل المعرفي العربي، حيث انتقلت الآلات بأسمائها العربية وصُحّفت لاتينياً:

  • العود (Al-Uud): تحول إلى "Lute" في الإنجليزية، و "Luth" في الفرنسية.
  • القيثارة (Qithara): أصبحت "Guitar".
  • الرباب (Rabab): تحول إلى "Rebec" أو "Rebequin"، وهي الآلة ذات القوس التي اعتبرها مؤرخو الموسيقى السلف المباشر لآلة الكمان الحديثة.
  • النقارة (Naqqara): تحولت إلى "Naker" (الطبول الإيقاعية الكبيرة في الأوركسترا).

أما المفاجأة التكنولوجية الموسيقية، فتتمثل في تتبع جذور آلة البيانو. يربط الباحثون بين الآلات ذات الملامح والمطارق وبين آلة أندلسية عُرفت باسم "الشقير" (Echiquier) ، وهي آلة وترية ذات مفاتيح ظهرت في البلاطات الأندلسية وتأثرت بمدرسة زرياب الفيزيائية في تطوير الآلات، وتعتبر الحلقة الوسيطة المفقودة التي تطورت عنها عائلة "الكلافيكورد" ثم البيانو.

خامساً، سوسيولوجيا الغياب - لماذا اندثر الاعتراف بالتأثير العربي؟    
تطرح الدراسة تساؤلاً حول أسباب غياب هذه المساهمات عن كتب التاريخ الموسيقي الغربي المعاصر. ويمكن إرجاع ذلك إلى عاملين:   
1. المركزية الأوروبية (Eurocentrism): التي نشطت في عصر النهضة وما بعده لإعادة ربط الفنون باليونان مباشرة، وتجاهل العصر الوسيط الإسلامي كحلقة وصل علمية.  
2. الانكفاء الداخلي والجمود الفقهي: في الوقت الذي كان الغرب يبني فيه فرقه الموسيقية العزفية (أوركستراته) بناءً على تدوين العلوم العربية، دخل العالم الإسلامي في عصور الانحطاط السياسي، وتراجع الفكر العقلاني التجريبي لفائدة تيارات التشدد الفقهي التي حرّمت الموسيقى وعزلتها عن سياق البحث العلمي.  ونتيجة لذلك، أُهملت مخطوطات الفارابي وابن سينا والأرموي محلياً، بينما جرى استيعابها وتطويرها غرباً دون الإشارة إلى أصحابها.

سادساً، خاتمة واستنتاجات     
إن النغمات التي تصدح اليوم في المعاهد الموسيقية (Do-Re-Mi) تحمل في أبعادها الفونيتيكية والتاريخية صدى حضارة أندلسية وعربية استطاعت ضبط اللحن والإيقاع وتقديمه للعالم كلغة إنسانية مشتركة.  إن إعادة قراءة هذا التاريخ ليس من قبيل التفاخر بالماضي، بل لإعادة الاعتماد المتبادل بين الثقافات في صياغة الهوية الفنية الإنسانية.

المصادر والمراجع (باللغتين الانجليزية والعربية)

Farmer, Henry George. (1929). A history of Arabian music to the XIIIth century. Luzac & Co.

Farmer, Henry George. (1930). Historical facts for the Arabian musical influence. William Reeves.

Meninski, Franciscus. (1680). Thesaurus linguarum orientalium. Vienna.

Ribera, Julián. (1929). Music in ancient Arabia and Spain. Stanford University Press.

Shiloah, Amnon. (1995). Music in the world of Islam: A socio-cultural study. Wayne State University Press.

الأرموي. (1980). كتاب الأدوار، تحقيق الحاج هاشم محمد الرجب. بغداد.

حمام، عبد الحميد. "أثر الموسيقى العربية في الموسيقى الغربية". مجلة أبحاث اليرموك.

ريبيرا، خوليان. الموسيقى الأندلسية والموشحات، ترجمة وتحقيق للدراسات الأندلسية.

الفارابي. (1967). كتاب الموسيقى الكبير، تحقيق غطاس عبد الملك خشبة. القاهرة: دار الكاتب العربي.

فارمر، هنري جورج. تاريخ الموسيقى العربية إلى القرن الثالث عشر، ترجمة حسين نصّار. القاهرة: مكتبة مصر

 


[1] الشفرة الصوتية: نظام الأصوات أو الرموز المنطوقة

[2] الفيلولوجيا: علم دراسة النصوص واللغات دراسةً تاريخية ونقدية

[3] التسمية العربية الأقرب للفيلولوجي: الباحث في فقه اللغة.

[4] هو منظّر موسيقي من القرن الثالث عشر، ويُعد من أبرز منظّري الموسيقى في العصور الوسطى، ولا سيما في مجال تطور تدوين الإيقاع الموسيقي. وتتمثل أهميته في أنه وضع نظرية أحدثت تحولًا جوهريًا في نظام التدوين الموسيقي، إذ أصبحت القيمة الزمنية للعلامة الموسيقية تُستمد من شكلها، لا من سياقها فحسب.

Rate this item
(1 Vote)
مجلة الموسيقى العربية

مجلة موسيقية تصدرعن المجمع العربي للموسيقى الذي هو هيئة متخصصة من هيئات جامعة الدول العربية وجهاز ملحق بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يعنى بشؤون الموسيقى على مستوى العالم العربي، ويختص تحديداً، وكما جاء في النظام الأساسي للمجمع، بالعمل على تطوير التعليم الموسيقي في العالم العربي وتعميمه ونشر الثقافة الموسيقية، وجمع التراث الموسيقي العربي والحفاظ عليه، والعناية بالإنتاج الموسيقي الآلي والغنائي العربي والنهوض به.

https://www.arabmusicacademy.org

اشترك في قائمتنا البريدية

Please enable the javascript to submit this form

هل ما زالت الموسيقى العربية الأصيلة تحظى باهتمام الجمهور العربي؟
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
  • Votes: (0%)
Total Votes:
First Vote:
Last Vote:
Copyright © 2012 - ArabMusicMagazine.com, All Rights Reserved, Designed and Powered by ENANA.COM